فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٩ - نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيخ حيدر حب اللّه
على إمكان ذلك .
٢ ـ مدرسة السيّد المرتضى ، ونسمّيها « مدرسة » مجاراةً للطرف الذي يعتقد أنّها لم تكن تمثّل مشهور الشيعة في عصرها وما قاربه ، فإنّ هذه المدرسة ـ متمثّلةً ، على الأقلّ ، بالمرتضى ( ٤٣٦هـ) وابن زهرة ( ٥٨٥هـ) وابن إدريس ( ٥٩٨هـ) وغيرهم ـ كانت تعتقد بلزوم العمل بالخبر اليقيني ، وقد بنت فقهها على ذلك ، وأثبتت ـ سيّما تجربة ابن إدريس ـ أنّ بالإمكان في تلك المرحلة إنتاج فقه استدلالي موسّع على أساس إنكار أخبار الآحاد الظنيّة .
إنّ عمل الجميع برواياتٍ موجودةٍ في الكتب الأربعة أو غيرها ليس دليلاً على أنّ الصورة النظرية عندهم متّحدة ، فربما عمل بها البعض لقانون الحجية التعبّدي (٢٣)، فيما عمل البعض الآخر بها لتواتر بعضها أو احتفافه بقرائن وشواهد توجب الوثوق والاطمئنان مما يسمّى بالعلم العادي ، كما دأب على تسميته المولى الاسترآبادي صاحب الفوائد المدنية ( ١٠٣٦هـ) .
وإضافةً إلى هاتين العيّنتين الدالّتين ـ أعني المدرسة الأخبارية في العصر المتأخر ، ومدرسة السيّد المرتضى في العصر المتقدّم ـ يمكن الإشارة إلى أنّ ظاهرة اليقين هي ظاهرةٌ لها قوانينها وخصائصها ، فعندما لا يكون هناك جدل واحتدام نقاشٍ في أمرٍ ما فإنّ بالإمكان حصول اليقين ، لكن كلّما تضاعفت الآراء وتكاثرت حول نقطةٍ واحدةٍ ، صار الوصول إلى اليقين مدعاةً لمزيدٍ من التروّي والتريّث . إن كثرة الآراء وتضاربها يساهم أحياناً في بطء حصول اليقين بالشيء الذي تركّزت الآراء المختلفة عليه .
ولسنا نـزعم معادلةً رياضيّة أو عقليّة لا تختلف ولا تتخلّف ، لكن الحالة العامّة تساعد على مثل هذا الفهم لظاهرة اليقين ، وبإمكاننا ـ لوَعْي هذه الحقيقة ـ أن نرصد التجارب الفقهيّة منذ عصر الكليني والصدوق والمرتضى وحتى العصر الحاضر . إنّ محدوديّة الأقوال في تلك المرحلة كانت تجعل
(٢٣)الحُجيّة مصطلح في علم اُصول الفقه يراد به جعل دليل ما حجةً ؛ أي منجزاً ومعذراً ، بمعنى أنّ العمل به يعذر الإنسان على تقدير عدم إصابة هذا الدليل للواقع ، ويلزمه بالواقع نفسه على تقدير إصابة الدليل لهذا الواقع . ومعنى التعبّدية أن يكون هذا الاعتبار وتلك القيمة الممنوحان للدليل الظني قد جاءا من جانب الله سبحانه وتعالى ، انظر : محمد صنقور علي ، المعجم الاُصولي : ٥٠١ـ ٥٠٢، ٥٠٧ـ ٥٠٩.