فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٧ - دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام الاُستاذ جعفر الساعدي
في زمن التشريع وتبدّلت بعد ذلك لسقطت عن التأثير في زماننا (٤٣).
ومن هذا القبيل المكيل والموزون ـ مثلاً ـ فإنّه لا يصحّ بيعهما جزافا إلاّ إذ تبدّلت نظرة السيرة العرفية تجاههما وصارا بنظرهم من الاُمور الجزافية ، فيصحّ حينئذٍ بيعهما كذلك .
وكذا لو انعكس الأمر وصار الجزافي مكيلاً أو موزونا فإنّه لابدّ من التعامل بهما على أساس الكيل والوزن .
وهذا لا يعني أنّ للعرف مطلق العنان في التصرّف في الأحكام ؛ لأنّ « حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة » (٤٤)، بل إنّ نظرة العرف إلى الموضوعات هي التي تتبدّل بتبدّل الظروف والأزمان ، فتتبدّل الأحكام بتبعها .
ومن هنا فقد رفض صاحب الجواهر ما قيل : من أنّ موضوعات الأحكام غير قابلة للتغير والتبدّل ، وأنّه لابدّ من الالتزام في تحديدها بالعرف السائد في زمان النبي والأئمة (عليهم السلام) دون غيرهم ، فما كان مكيلاً أو موزونا في زمانهم (عليهم السلام) لا يصحّ بيعه جزافا وإن صار جزافا بعدهم ؛ لأنّه يؤدي إلى التلاعب بالأحكام وتغايرها بتغاير الأعصار والأمصار .
وقد برّر صاحب الجواهر رفضه لهذا الكلام بما حاصله : أنّ تغاير الأعصار والأمصار لا يؤدّي إلى تغاير الأحكام بل يؤدّي إلى تغاير الموضوعات والعناوين التي انصبّت عليها تلك الأحكام ، كما هو الحال في جميع العناوين والموضوعات الواردة في الشريعة (٤٥).
وبذلك يمكننا الردّ على من رفض التمسّك بغير عرف النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في موارد مختلفة من الفقه ، كالمحقق الثاني (٤٦)الذي استنكر ما قاله الشهيد الثاني في خصوص لزوم عدم خروج البئر عن مسمّاه عرفا (٤٧)، مدّعيا أنّ لازمه تغيّر
(٤٣)بحوث في علم الاُصول ٤ : ٢٣٥ـ ٢٣٦.
(٤٤)الكافي ١ : ٥٨، ح ١٩.
(٤٥)جواهر الكلام ٢٢: ٤٢٦ـ ٤٢٧.
(٤٦)جامع المقاصد ١ : ١٢٠و ٤ : ٢٧٠. المبسوط ( للشيخ الطوسي ) ٢ : ٩٠.
(٤٧)غاية المراد في شرح الإرشاد : ٧ ( ط ـ حجري ) .