فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٦٨ - نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيخ حيدر حب اللّه
قريب جداً ، سيّما على ما أشار إليه بعض الأخباريين من أنّ العلم في اللغة العربيّة يطلق على اليقين الجازم وعلى الاطمئنان وما يُسكن النفسَ على نحو الحقيقة ، فإذا صحّت هذه المقولة فإنّ المترقّب حينئذٍ ـ مالم يأتِ دليلٌ على العكس ـ أن يكون التعاطي العفوي لمتشرّعة عصر الحضور قائماً على هذا المدلول اللغوي ، لا لأنّ اللغة هي معيارٌ هنا ، بل لأنّ ثبوت تحمّل اللغة لهذا المفهوم على نحو الحقيقة شاهد على أنّ العقل العربي لم يكن على تماس حصري مع مفهوم اليقين البرهاني ؛ مما يدلّل على أنّ العقل الجمعي يقوم اليقين عنده على مفهوم أوسع من المفهوم الأرسطي لـه ، ولهذ نتج عن هذا الوعي الجمعي مدلول لغوي على نحو الحقيقة .
هذا ، ولكنّ ذلك يُجامع عدم استبعاد اعتمادهم على نصوص اليقين أيضاً لا الاطمئنان ، والوجه في ذلك أنّ الفروع الفقهيّة ونحوها في الوسط الشيعي لم تكن كثيرةً في عصر الحضور ، فإن الفقه التفريعي خطوة ترجع أقدم محاولةٍ لها إلى الشيخ الطوسي ( ٤٦٠هـ) في « المبسوط » أو على أبعد تقدير ـ كم ألمحنا سابقاً ـ إلى الإسكافي والحسن بن أبي عقيل العماني ، وقد قيل في ذلك إنّ الطوسي أتى بالفروع من مصنّفات أهل السنّة ، ولم تكن هذه الفروع متداولةً في الوسط الشيعي ، كما يشهد على ذلك مراجعة الكتب التي سبقت الطوسي ، مثل كتاب المقنعة للمفيد ، والانتصار والناصريات للمرتضى ، والمقنع والهداية للصدوق ونحو ذلك ، حتّى كانت محاولة الطوسي هذه محلاً لانتقاد بعض العلماء الذين أتوا بعده وعلى رأسهم ابن إدريس الحلّي ( ٥٩٨هـ) (٤٠).
وهذا معناه أن الموضوعات التي تحتاج إلى الروايات وليس فيها مرجع آخر هي فروعات الفقه والأخلاق ، وهي موضوعات كانت محدودة جداً ، ومن ثمّ فمهما كان تحصيل اليقين بأخبارها قليلاً إلا أنّ قلّتها تنسجم مع قلّته ، ومن ثم فلا يصحّ قياس مرحلة ما قبل الطوسي على ما بعده ، فاحتمال أن يكون اعتمادهم على الخبر اليقيني بالتواتر أو القرائن ـ مثل اعتضاده بالإجماع أو
(٤٠)ابن إدريس الحلّي ، السرائر ٢ : ٣٦٥.