فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٥ - دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام الاُستاذ جعفر الساعدي
وإذا أردنا البحث حول حجّية السيرة والعرف بصورة أساسية فلابد من التركيز على ثلاثة محاور رئيسية : وهي تنقيح الموضوع والدلالة والحكم ، وذلك كما يلي :
أ ـ تنقيح العرف لموضوعات الأحكام (٣٨):
قد يقوم العرف بتنقيح موضوع الحكم من دون التعرّض لتشريع أصل الحكم ، فإذا لم يكن للشارع اصطلاح خاصّ في المفاهيم والموضوعات المذكورة في لسان الدليل فلابدّ من إرجاعها إلى العرف للتعرّف على مداليلها (٣٩)؛ إذ لو كان لها دلالة خاصّة غير المعنى العرفي لبيّنها ، فيكون عدم تبيينها دليلاً على إيكال تحديدها إلى العرف ، كما في لفظ « الإناء » و « الصعيد » وغيرهما من الاُمور المأخوذة في لسان الدليل ، بل لا يصحّ أن يتكلّم الشارع بكلام لا يفهمه العرف ؛ لأنّ الحكمة من استعمال الألفاظ وإلقائه إلى الآخرين تكمن في تفهيمهم لها (٤٠).
ثمّ إنّ تنقيح الموضوع بالسيرة قد يكون ثبوتيا وقد يكون إثباتيا :
١ ـ التنقيح الثبوتي :
هو عبارة عن قيام السيرة بتكوين موضوع واقعي للحكم لا يتغير بتغير الدلالة عليه ، كما في إمساك الزوجة بمعروف في قوله تعالى : {فإمساك بمعروف} (٤١)الدالّ على وجوب النفقة بالمعروف الذي هو بمعنى الشائع المستساغ ، والعرف هو الذي يقوم بتحديد خصوصياته وميزاته ، فلابد أن تكون النفقة في كل زمان بحسبه ، ولا شك أنّها في زماننا أكمل من العصور المتقدمة التي خرجت عن النفقة المتعارفة الفعلية نتيجة اختلاف الظروف الفكرية والاقتصادية والاجتماعية المؤثرة في توسيع مفهوم النفقة بالمعروف عمّا كان عليه سابقا ، فلا يصح التمسك بالمرتبة السابقة للإمساك بالمعروف بعد حلول الرتبة اللاحقة لها .
(٣٨)بحوث في علم الاُصول ٤ : ٢٣٥ـ ٢٣٦.
(٣٩)لا يخرج البحث عن دائرة العرف الخاص سواء قلنا بضرورة مراجعة العرف السائد في زمان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ، أو قلنا بضرورة مراجعة الأعراف الخاصّة بكل بلد .
(٤٠)انظر : الاُصول العامّة للفقه المقارن : ٤٢٢ـ ٤٢٣.
(٤١) البقرة :٢٢٩.