فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٨ - نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيخ حيدر حب اللّه
وقع فيه غير دارسٍ لهذا الموضوع ؛ فإنّ تقلّص الوسائط يلعب دوراً في حصول حالة العلم العادي أو الظنّ الاطمئناني كما يسمّونه .
ثانياً: إنّ ظاهرة اليقين في تلك الآونة ينبغي عدم قياسها على حالن اليوم ؛ إذ ثمّة ما يرشد إلى أنّ المتقدّمين كان يحصل لهم يقينٌ حتّى من روايةٍ واحدة بمجرّد موافقتها للكتاب أو غيره مع عدم معارضٍ ، ولكي نبعد هذ الاستغراب عن القارئ نؤكّد لـه أنّ هنالك اُنموذجين دالّين هما :
١ ـ التيار الأخباري ، فمهما كان موقفنا من هذا التيار ، إلاّ أنّه كان يذهب فريق أساسي فيه ـ وهم من كبار العلماء المعاصرين لزمن الانسداد إن صحّ التعبير ـ إلى القول بيقينيّة الكتب الأربعة (٢٢)، بل ذهب بعضهم إلى القول بقطعية صدور الروايات المودعة في المصادر المعتبرة ولو كانت من غير الكتب الأربعة على ما عالجناه مفصلاً في دراسة اُخرى .
إنّ ظاهرة اليقين والقطع التي آمن بها التيار الأخباري تلغي كل استبعاد في أن تكون الروايات قطعيّة الصدور لدى أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ، فإذا كان العلماء الذين عاشوا فيما بين القرن العاشر والثالث عشر الهجريين ـ بل إلى يومنا هذا ـ آخذين بمبدأ القطعيّة واليقينيّة هذا ، فكيف نستبعد أن يكون فقهاء وعلماء عصر الحضور عاملين بالأخبار من باب إفادتها اليقين ؟ !
ومهما كان موقفنا من موضوعية هذا اليقين الأخباري أو منطقيته أو من تسمية الاسترآبادي ( ١٠٣٦هـ) له باليقين العادي ، فإنّ نفس وجوده يكفين حتى لو اعتبرناه غير منطقي من الناحية المعياريّة ، فلا يصحّ لنا أن نحاكم الآخرين على طرائق تفكيرنا ؛ إذ سرعة اليقين وبطء حصوله أمران يختلفان بين الناس بل وحتّى بين العلماء اختلافاً فاحشاً ، ومن ثمّ يجب تقبّل المقولة التي تجعل بالإمكان حصول اليقين لشخصٍ من مقدّمةٍ يُستبعد جداً حصوله منه لآخر ، مادامت الإمكانات متوفّرة والشواهد قائمة ، والتيار الأخباري خير عيّنة دالّة
(٢٢)الكتب الأربعة هي : الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني (٣٢٩هـ ) ، وكتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف بالصدوق (٣٨١هـ ) ، وتهذيب الأحكام ، والاستبصار فيما اختلف من الأخبار كلاهما للشيخ محمد بن الحسن الطوسي (٤٦٠هـ ) .