فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٦١ - نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيخ حيدر حب اللّه
ظاهرة الاهتمام الرجالي في الوسط الشيعي ؛ لأنّه ما دام اليقين هو المعيار فمن المنطقي جداً أن يدرس الباحث طبيعة الناقلين للأخبار ؛ إذ لا يجدر الشكّ في أنّ أحوالهم تساعد بشكل كبير على الوصول إلى اليقين بالخبر صدقاً أو كذباً . إن فرضيّة اليقين لا تعني أنّ الفقيه ـ مثلاً ـ غير معنيّ بعناصر إنتاج هذا اليقين ، وإنّما يُلقى هذا اليقين في قلبه أو يُنْفَثُ في روعه ، وهذا معناه أنّ اليقين عنده نتاج عناصر ، من أبرزها حالة الرواة وأوضاعهم .
ومما يؤكّد تفسيرنا هذا ، أنّه يلاحظ في مدرسة السيّد المرتضى الرافضة لأخبار الآحاد الظنية ، ثمّة اهتمامات رجاليّة في نتاجها الفكري عموماً ، فالسيّد المرتضى ـ مثلاً ـ لديه بعض المساهمات الرجالية المتفرّقة ، كحديثه عن أبي بكر بن أبي سبرة ، ويزيد بن أبي زياد ، والحسن بن عمارة ، وعمرو بن شعيب ، وهذيل بن شرحبيل ، وشهر بن حوشب ، وغيرهم (٢٧).
وهكذا الحال مع ابن إدريس الحلّي ؛ إذ وجدنا لـه وقفات رجاليّة تتعلّق بالرواة السنّة أو الفطحيّة أو زرعة أو سماعة أو السكوني أو . . . (٢٨)، وهذ يعني أنّ النحو تجاه رفض أخبار الآحاد الظنية لا يُعدم الفقيه الحاجة إلى علم الرجال .
وأمّا الحديث عن استبعاد حصول اليقين لعلماء عصر النص نتيجة ظواهر الدسّ والوضع والجعل ، فهذا ما لا نجده شاهداً ؛ لأنّ نظام تجميع القرائن يمكنه أن يحسم الموقف في هذه الرواية أو تلك ، فموافقة الرواية للكتاب أو السنة القطعية المتواترة أو الإجماع أو العقل كان يمكنه أن يحصّل لهم اليقين بعدم الوضع ، كما يلاحظ في منهاج مدرسة المرتضى وفق ما أوردناه في مقالتن المذكورة .
ولكي نقرّب الفكرة ، نلاحظ موقف علماء الشيعة من جملةٍ وافرةٍ من روايات أهل السنّة ، وموقف علماء السنّة من جملة وافرة من روايات الشيعة . إنّ
(٢٧)الشريف المرتضى ، الانتصار : ٣٩١، ٥٥٨، ٥٦٦، ٥٩٠، ٥٩٩ـ ٦٠٠و . . .
(٢٨)راجع : السرائر ١ : ٢٦٧، ٣٠٠، ٣١٣، ٤٩٥، و٢ : ٤٨، ٣٠٤، ٦٧٥، و٣ : ٢٧٣، ٢٨٩، ٢٩٠، ٢٥٣ و..، وحول اهتمامه الرجالي ، راجع : علي همّت بناري ، ابن إدريس الحلي رائد مدرسة النقد في الفقه الإسلامي ، ترجمة : حيدر حب اللّه : ٢٣٤ـ ٢٣٨.