فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٦٠ - نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيخ حيدر حب اللّه
الجزم بأحد المحتملات أسهل ميدانياً ، ولهذا لاحظنا أن مقولة الاحتياط في العقل الشيعي القديم كانت تمثّل منهاجاً اجتهادياً ، فيحصل من ورائها الحدس بالحكم الشرعي ، لكن رغم أنّ علماء اُصول الفقه الشيعي بعد الوحيد البهبهاني ( ١٢٠٥هـ) قد أطاحوا بنظريّة الاحتياط في الشبهات البدويّة وحصروها بمجالات محدودة من أمثال موارد العلم الإجمالي (٢٤)، إلاّ أنّ ظاهرة الاحتياط في الفتوى غزت النتائج الفقهيّة على نطاقٍ واسع دون أن يكون هذ الاحتياط منهاجاً اجتهادياً كما كان عند القدماء ، سيما منهم ابن زهرة الحلبي ( ٥٨٥هـ) صاحب « غنية النـزوع » (٢٥)، وابن الجنيد الأسكافي وفق ما قيل عنه من عمله بالرواية الأحوط عند التعارض واختلاف الحديث (٢٦). ولظاهرة الاحتياط المتأخّرة أسباب كثيرة ، منها أنّ الفقيه قد تكاثرت أمامه الآراء ، فشعر بالوجل والتواضع العلمي إزاءها ، وأقنع نفسه بأنّ الوصول إلى نتيجة حاسمة أمرٌ ليس باليسير ؛ لأنّه يتطلّب تجاوز كل هذه الآراء والاقتناع بفسادها جميعاً ، وهو أمرٌ لم يكن سهلاً ؛ ولهذا وجدنا أنّ الشهرة الفتوائية ـ رغم عدم الاعتقاد به عند الكثير من الاُصوليين المتأخرين ـ كان لها دور كبير في منح الفقيه اطمئناناً بالنتائج التي توصّل إليها ، فصار الوثوق بالنتيجة أسرع والاحتياط أقلّ حضوراً على هذه الجبهة .
إنّ هذا الواقع يؤكّد أيضاً على أنّ البدايات الاُولى لحركة أيّ علم يكون اليقين فيها متوفراً عادةً بدرجةٍ أكبر ، وإن كنا نعتقد بأنّ هذه البدايات تحتوي وعادةً أيضاً ـ على شكّ من جهةٍ اُخرى .
وأمّا الشواهد التي اُقيمت على الفرضية الاُولى ـ أي الأخذ بالأخبار عن تعبّد لا عن يقين ـ فهي أيضاً غير قادرة على ترجيح هذه الفرضيّة على نظيرتها ، كما سنلاحظه لاحقاً بشكل أكبر إن شاء الله تعالى ؛ لأن التتبّع الرجالي لا يؤكّد أبداً أنهم عملوا بالنصوص الروائيّة انطلاقاً من حجية خبر الثقة الظنّي ؛ ذلك أنّ الفرضية التي تقوم على أساس أخذهم باليقين يمكنها هي الاُخرى ـ أن تفسّر
(٢٤)يقصد بالشبهة البدوية : كلّ شك متجرّد عن أيّ علم ، مثل الشك في وجوب صلاة العيدين في عصر الغيبة . أما العلم الإجمالي فيعني الشك المقرون بعلم ، مثل العلم بوجوب إما الجمعة ظهر يوم الجمعة أو الظهر ، فكل من الجمعة والظهر مشكوك لكن مع هذين الشكّين يوجد علم بوجوب إحدى هاتين الصلاتين ، راجع : محمد صنقور علي ، المعجم الاُصولي : ٦٥١ـ ٦٥٢.
(٢٥)راجع : اعتماد ابن زهرة على الاحتياط بوصفه دليلاً إلى جانب بقية الأدلة سيّما الإجماع ، غنية النزوع ، قسم الفروع : ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٤٨، ٥٠، ٥٥، ٥٨ـ ٥٩، ٦٣، ٦٤، ٦٦، ٦٧، ٦٩، ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٧، ٨٨، ٩٤، ٩٦، ٩٨، ٩٩، ١٠٠، ١٠٢، ١٠٤، ١٠٥، ١١١، ١١٢، ١١٣، ١٢١، ١٢٤، وغيرها من الموارد الكثيرة .
(٢٦)دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ( عربي ) ٢ : ٦١٠، ٦١١.