فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٦ - دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام الاُستاذ جعفر الساعدي
ويعتبر ذلك في الحقيقة تدخلاً من السيرة والعرف في تكوين موضوع الحكم الشرعي توسعة وتضييقا .
٢ ـ التنقيح الإثباتي :
وهو عبارة عن تدخل السيرة في تنقيح الموضوع إثباتا وكشفا لا ثبوتا ، كما لو دلّ دليل على أنّ المؤمنين عند شروطهم (٤٢)، واكتشفنا من تباني العقلاء وسيرتهم في خيار الغبن أنهم لا يرضون في البيع والمعاوضة بفوات المالية ، وإنّما يرفعون اليد عن الخصوصية مع الحفاظ على المالية بما يساويه عرفا في العوض ، فإنّ مقتضى حال الإنسان المتعارف بمقتضى القواعد العقلائية عدم رضاه بفوات المالية ، وهذا كاشف نوعي عن اشتراط عدم التفاوت الفاحش بين العوض والمعوض في المعاملة ، وإلاّ لم يتحقق الرض بالمعاوضة وتنفيذها .
ويترتب على الفرق بين هذين النحوين من التنقيح الثبوتي والإثباتي أنّه لو شذّ إنسان عن السيرة وخرج عن مقتضاها فلن يؤثر ذلك في النحو الأوّل ، بل يبقى الحكم ثابتا في حقه أيضا ؛ لأنّ انعقاد سيرة العقلاء أدّى إلى إيجاد فرد حقيقي من الموضوع ، فلا أثر لمخالفته ، بخلاف النحو الثاني الذي كان دور السيرة فيه دور الكاشف عن قصده وشرطه ، فلو نصّ الشخص على مخالفته لهم في مورد معين كان ذلك رافعا للحكم ؛ لكشفه عن عدم المنكشف بالسيرة في ذلك المورد .
والسيرة بكلا نحويها تكون حجة على القاعدة من دون حاجة إلى التماس دليل عليها ؛ لأنّها تنقّح موضوع الحكم الشرعي تنقيحا حقيقيا ثبوتيا أو إثباتيا ، ولهذا لا يحتاج الفقيه في أمثال هذه الموارد إلى إثبات معاصرة السيرة لزمن المعصوم (عليه السلام) ؛ لعدم دخل ذلك في الحكم الكلّي المشرَّع ، وإنّما يحتاج إلى ملاحظة وجودها في الزمن الذي يراد إثبات الحكم فيه ، بل لو كانت موجودة
(٤٢)وهو قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) : « المؤمنون عند شروطهم » .