فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٤ - دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام الاُستاذ جعفر الساعدي
في تشخيص الموضوعات والمفاهيم العرفية الواردة في أدلّة الأحكام ، كتشخيص المقصود من كلمة الصعيد في قوله تعالى : {فتيمموا صعيد طيّبا} (٣٠)إلاّ أنّ حجيته في ذلك ضمن حدود معينة يأتي الكلام عنها ، وهو من باب تعيين صغريات الدليل ، لا أنّه بنفسه دليل (٣١).
وفي مقابل ذلك ذهبت بعض المذاهب السنّية (٣٢)كالحنفية والمالكية إلى أنّ العرف حجّة ودليل مستقلّ يمكن الاعتماد عليه حتى في مجال استنباط الأحكام واستكشافها ولو لم يحظَ بتأييد الشارع وإمضائه ، مستدلّين له بعدة أدلّة :
منهـا : رواية عبد اللّه بن مسعود التي ورد فيها أنّ « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » (٣٣)؛ حيث استدلّ السرخسي بها مدّعيا أنّ تعامل الناس من غير نكيرٍ أصلٌ من الاُصول المهمّة ؛ لدلالة هذه الرواية عليه (٣٤).
واُورد عليه : بأنّه يحتمل أن تكون هذه الجملة في الرواية من كلام ابن مسعود لا من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ، وهي لذلك ساقطة عن الاعتبار .
ومنهـا : قولهم : إنّ الشارع المقدّس راعى عرف العرب في تشريع بعض الأحكام ، فوضع الدية على العاقلة ، واشترط الكفاءة في الزواج ، وغير ذلك من الاُمور الدالّة على اعتناء الشارع بالعرف وقوانينه (٣٥).
واُورد عليه : بأنّ الشارع إنّما ماشاهم في هذه الاُمور لعدم مخالفته لأحكامه ، وهو لا يعني بالضرورة إمضاءه جميع ما تعارفوا عليه والتزموا به حتى يكون العرف مرجعا للكشف عن الأحكام والحصول عليها (٣٦).
وبذلك اتّضح أنّ العرف لا حجّية له إلاّ بإمضاء الشارع وتأييده ، فما قيل من أنّ العرف معترف به في الإسلام ، وأنّه بمثابة شريعة محكمة ، وأنّ التعيين بالعرف كالتعيين بالنصّ ، وأنّ الثابت بالعرف كالثابت بالنصّ ـ لا أساس له من الصحّة ، ولا دليل على اعتباره (٣٧).
(٣٠) النساء : ٤٣.
(٣١)انظر : الاُصول العامة للفقه المقارن : ٤٢٣ـ ٤٢٤.
(٣٢)اُصول الفقه ( لمحمد أبو زهرة ) : ٢٧٣.
(٣٣)كنز العمال ١٢: ٤٨٥، سطر ١٠.
(٣٤)المبسوط ( للسرخسي ) ١٢: ١٣٨، سطر ١٨.
(٣٥)مصادر التشريع : ١٢٤. ونقل ذلك عنه في الاُصول العامة : ٤٢٥.
(٣٦)الاُصول العامّة للفقه المقارن : ٤٢٤ـ ٤٢٦.
(٣٧)المصدر السابق .