فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٩٥ - دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام الاُستاذ جعفر الساعدي
وقد يكون خلوهما من ذلك بالدقّة العرفية ، كما لو كان في التراب شيء قليل يخالطه من غير جنسه لا يرى بالعين المجرّدة رغم التدقيق فيه ، فيحكم العرف حينئذٍ بأنّه تراب رغم اختلاط غيره به واقعا .
وقد يكون بالمسامحة العرفية ، كما لو غضّ العرف طرفه عن الأجزاء الصغيرة رغم إمكان رؤيتها بالعين المجرّدة ومن دون تدقيق ، فيحكم على المختلط بغيره بأنّه من التراب .
ونحن وإن كنّا مكلّفين ابتداءً بالأخذ بالنظرة العرفية الدقّية دون المسامحيّة أو العقلية البرهانية ، إلاّ أنّه إذا كانت هناك قرينة على اعتبار المسامحة العرفية فلابدّ من الأخذ بها ، كما في كلمتي « الصعيد » و « التراب » المنصرفتين إلى المتعارف من الصعيد والتراب ، وهما لا يخلوان عادةً من الأعواد والحشائش الصغيرة ، فيصدق عليهما لذلك أنّهما صعيد أو تراب بالمسامحة العرفية ، فيكفي التيمم بهما من دون إشكال ، ولابد من رفع اليد حينئذٍ عن النظرة الدقّية العرفية والأخذ بالنظرة التسامحية ؛ لقيام قرينة عليها .
ولو لم تكن هناك قرينة على ذلك وشككنا في وجودها فلابدّ من الالتزام بالمصاديق الحقيقية التي عبّرنا عنها بالمصاديق الدقّية العرفية ، دون العقلية البرهانية ؛ لأنّ الخطاب متوجّه إلى العرف الذي لا يعتني بالقواعد العقلية والتحليلات الفلسفية ، فالمعيار هو عقل العرف الدقّي دون العقل البرهاني .
التوفيق بين الدقّة العقلية والمسامحة العرفية :
الظاهر أنّ اختلاف الأعلام في التعامل مع النصوص بالمسامحة العرفية أو الدقّة العقلية ليس اختلافا جوهريا ؛ لأنّ الجميع متفقون ـ كما يبدو من كلماتهم ـ على لزوم مراعاة الدقّة العرفية في تطبيق المفاهيم وعدم الإفراط أو التفريط في إحراز المصاديق ، إلاّ أنّ طريقة بيانهم تختلف باختلاف المناسبات ، فعندما