فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٩٤ - دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام الاُستاذ جعفر الساعدي
الماء الخارجي ، بخلاف الاُمور الاعتبارية التي لا مانع من الرجوع فيها إلى العرف كما في تطبيق مفهوم البيع على مصاديقه الخارجية (٦٣).
وفي المقابل ذهب الإمام الخميني (قدس سره) (٦٤)إلى أنّ العرف كما يكون مرجع في تشخيص المفاهيم كذلك يكون مرجعا في تشخيص المصاديق بالدقّة العرفية التي يمكن من خلالها إحراز المصاديق إحرازا واقعيا من دون حاجة إلى الدقّة العقلية البرهانية التي لم يلتفت إليها عامّة المخاطبين بالتكليف بم هم اُناس عاديّون لا بما هم فلاسفة وحكماء ، فهم يدققون ويطبّقون المفاهيم على مصاديقها بمقدار وسعهم وتشخيصهم العرفي العامّ .
ولمّا كانت طريقة العرف تبتني على تلقّي المفاهيم وتطبيقها على مصاديقها ، فلا معنى للتخلّف عنها بعد أن لم تكن للشارع طريقة متميّزة عن طريقة العرف وإلاّ لبيّنها لهم ، فلو ورد الأمر بغسل الثوب وتطهيره من الدم فلابدّ من الرجوع إلى العرف في تشخيص مفهوم الدم ومصداقه الخارجي ، فإن كان لمفهومه مصداق برهاني عقلي وهو اللون المتبقّي في الثوب بعد غسله ؛ فإنّه لا سبيل للعرف إلى تشخيصه ولو مع الدقّة وعدم التسامح ، وإنّم العقل البرهاني وحده هو الذي يحكم بأنّه دم ؛ باعتبار عدم انفصال العرض عن جوهره ، فاللون بالدقة العقلية عبارة عن أجزاء صغيرة من الدم عالقة بالثوب ، وهذه الدقة لا يؤخذ بها بعد عدم التفات العرف إليها ؛ لأنّ المرتكز في أذهانهم خروج اللون عن حقيقة الدم وماهيّته .
لكن عدم قبول الدقّة العقلية البرهانية لا يعني بنظر الإمام الخميني (قدس سره) قبول المسامحة العرفية واعتبارها معيارا في تشخيص المصاديق ، ومن هن فقد سلك طريقا وسطا متمثّلاً باتّباع الدقّة العرفية ، فإنّ مقتضى الدقّة العقلية في عنواني الأرض والتراب ـ مثلاً ـ أن يكونا خاليين من كلّ ما يخالطهما من غير جنسهما ، حتى من الأشياء التي لا ترى إلاّ بالعدسات والمكبّرات .
(٦٣)انظر : نهج الفقاهة : ٥٠ـ ٥١.
(٦٤)تهذيب الاُصول ١ : ٩٧. كتاب البيع ١ : ٢٥٨ـ ٢٥٩و ٤ : ١٥١، ٣٨٤و ٥ : ٢٨١، وكتاب الطهارة ١ : ٤٢ـ ٤٣و ٢ : ١٠٥ـ ١٠٧.