فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٦٤ - نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيخ حيدر حب اللّه
نعم ، أشار الشهيد محمد باقر الصدر ( ١٤٠٠هـ) إلى أن أخبار التعارض إذا كانت تجعل المعيار هو الأوثقية في أحد الراويين أو موافقة الكتاب ، فهي لا تتناسب مع فرض كون الخبرين متيقّنين ؛ لأن أوثقيّة أحد الراويين لا تجعل خبر الآخر يقينياً ؛ إذ كيف يمكن اليقين بخبرين معاً يكون أحد راوييهما أوثق من الآخر ، والمفروض أنّهما مختلفان ؟ ! (٣٣)
لكن هذه المحاولة تفترض اليقين الفعلي بالروايتين حتى مع تعارضهما ، وهو افتراض لسنا بحاجةٍ إليه أبداً لكي نبرّر ـ في إطار بحثنا هنا ، وهو بحث تاريخي لا بحث اُصولي يستنطق النص لإثبات حجية خبر الواحد ، فليلحظ ذلك جيداً ـ تساؤل الرواة ، بل بالإمكان القول بأنّ الراوي كان يعتقد بأنّ كلّ واحدٍ من الخبرين من شأنه أن يعطي يقيناً ، لكن لمّا تعارضا افتُقد هذا اليقين ، فأراد أن يعرف ماذا نفعل في هذه الحالة ، تماماً كرجلين تعلم جيداً عند إخبار أحدهما لك أنّهما صادقان يقيناً ، ولنفرضهما إمامين معصومين ، فإذا أخبراك بخبرين متعارضين ، فإن ثقتك بهما لا تهتزّ ؛ نظراً ليقينك العقدي بعصمتهما ، لكنّ تساؤلاً ينفلت منك حول كيف يمكن العمل مع هذين الخبرين ؟ وهل هناك من تفسيرٍ لهذا التضارب ؟ وهذا ما كان يحصل مع بعض أصحاب الأئمة (عليهم السلام) الذين كانوا يسمعون منهم أحياناً أخباراً ونصوصاً مختلفة كما تفيده المعطيات الحديثية نفسها .
وأمّا افتراض أن دلالة مثل أخبار التعارض على الحجية يعني نصّاً من الأئمة (عليهم السلام) على حجية خبر الواحد ، الأمر الذي يستدعي عمل الشيعة بأخبار الآحاد ـ فهو افتراض لا يضرّ بفكرتنا هنا ؛ لأنّ المفروض أن تقعيد مبد الأوثقية مخصوص ببعض حالات التعارض ، ونحن لا ننكر أن يكون الشيعة عاملين بالأخبار الظنية في بعض الحالات الخاصّة ، وما ننكره أن تكون هذه الظاهرة هي المبدأ في سيرة المتشرّعة في عصر الحضور ، فبحثنا هن تاريخي حول الظاهرة العامة ، لا اُصولي حول مبدأ حجية السنّة المحكية الظنيّة .
(٣٣)محمد باقر الصدر ، مباحث الاُصول ٢ : ٤٩٧؛ وذهب إلى ذلك محمد صادق الروحاني في زبدة الاُصول ٣ : ١٥٥.