فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٩٠ - دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام الاُستاذ جعفر الساعدي
« الماء المتغيّر ينجس » ، فنحكم في الاُولى بأنّ موضوعها هو نفس الماء بغضّ النظر عن قيد التغيّر ، ونحكم في الثانية بأنّ موضوعها هو الماء مع قيد التغيّر ، فيكون التغيّر في الجملة الثانية جزءاً مكمّلاً لموضوع النجاسة ، بخلاف الجملة الاُولى .
والدلالة البدوية في كلتا الجملتين مستفادة من لسان الدليل مباشرةً من دون الاستعانة بالمرتكزات والتصوّرات العرفية العامّة التي يتمّ من خلاله التعرّف على دلالة الكلام وموضوعات الأحكام التي يعبّر عنها الأعلام ب « مناسبة الحكم والموضوع » والتي يتمّ من خلالها تفسير الكلام تفسير مخالفا أحيانا للظهور الابتدائي في لسان الدليل ، ففي المثال المتقدّم يكون الماء وحده موضوعا للنجاسة حتى في جملة « الماء المتغيّر ينجس » ؛ لأنّ المرتكز في ذهن العرف هو أنّ التغيّر ليس إلاّ واسطة لثبوت النجاسة للماء ، فلا دخل له في موضوع الحكم (٥٤).
وقد أشار المحقق الخراساني إلى هاتين الطريقتين في فهم النصوص عند تعرّضه لجملة « العنب إذا غلى يحرم » ، حيث اعتبر الحرمة فيها شاملة للزبيب أيضا ؛ لأنّ عرف المحاورة وإن كان يفهم منها أنّ موضوع الحرمة هو خصوص العنب ، إلاّ أنّ عرف الارتكاز ـ المستند إلى مناسبة الحكم والموضوع ـ يجعل موضوع الحكم عامّا شاملاً للزبيب أيضا ؛ لأنّ العنبية والزبيبية باعتقاد العرف ـ هما من حالات الموضوع التي لا يوجب زوالهما ارتفاع الحكم (٥٥).
والمتّبع ـ كما هو واضح ـ عرف الارتكاز دون المحاورة ؛ لأنّ الظهور البدوي إنّما يكون معتبرا عند فقدان الظهور المستقرّ المتمثّل هنا بعرف الارتكاز .
(٥٤)انظر : نهاية الأفكار ٤ ( القسم الثاني ) : ٩ .
(٥٥)كفاية الاُصول : ٤٢٨.