المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٦
فمن جعل دعواكم في الخبر، وتكهنكم ما ليس فيه، وقفوكم مالا علم لكم به: أولى من مثل ذلك من غيركم؟ وانما الحق في هذا - إذ دعواكم ودعوانا ممكنة أن يبقى الخبر لا حجة فيه لكم ولا عليكم، ولا لنا ولا علينا، هذا ما مخلص منه، فكيف ومعنا الدليل على كل ما قلناه؟ * وأما عثمان رضى الله عنه فان عبد الله بن يوسف حدثنا قال ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن على ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كريب محمد بن العلاء واسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - كلاهما عن وكيع عن مسععر بن كدام عن جامع بن شداد قال سمعت حمران بن أبان قال: كنت أضع لعثمان طهوره فما أتى عليه يوم الا وهو يفيض عليه نطفة [١]. فقد ثبت بأصح إسناد أن عثمان كان يغتسل كل يوم، فيوم الجمعة يوم من الايام بلا شك، ولو لم يكن هذا الخبر عندنا، لوجب أن لا يظن بمثله رضى الله عنه خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لا يقطع عليه إلا بطاعته، وان لم يعين ذلك في خبر، كما يقطع بأنه صلى الصبح في ذلك اليوم وسائر اللوازم له بلا شك وان لم يرو لنا ذلك * وأما عمر رضى الله عنه ومن معه من الصحابة رضى الله عنهم، فهذا الخبر عنهم حجة لنا ظاهرة بلا شك، لان عمر قطع الخطبة منكرا على عثمان أن لم يصل الغسل بالرواح، فلو لم يكن ذلك فرضا عنده وعندهم لما قطع له الخطبة، وعمر قد حلف: (والله ما هو بالوضوء) فلو لم يكن الغسل عنده فرضا لما كانت يمينه صادقة، والذى حصل من عمر بن الخطاب ومن الصحابة بلا شك فهو إنكار ترك الغسل، والاعلان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل يوم الجمعة، ولا يجوز أن نظن بأحد من الصحابة رضى الله عنهم أن يستجيز خلاف أمره عليه السلام، مع قول الله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) فصح ذلك الخبر
[١] في الاصل (لعيط عليه لطعه) بدون اعجام وهو خطأ. والصواب ما هنا وصححناه من صحيح مسلم. قال النووي: (النطفة بضم النون وهي الماء القليل ومراده لم يكن يمر عليه يوم الا اغتسل) انظر هامش القسطلاني (ج ٢ ص ٢٢٤)