المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢١
قلنا: نعم، وهذه آثار صحاح، وكلها لا خلاف فيها لما قلنا * أما قوله عليه السلام: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) فهو نص قولنا، وانما فيه أمر لمن جاء الجمعة بالغسل، وليس فيه أي وقت يغتسل، لا بنص ولا بدليل، وانما فيه بعض ما في الاحاديث الاخر، لان في هذا ايجاب الغسل على كل من جاء إلى الجمعة فليس فيه إسقاط الغسل عمن لا يأتي الجمعة [١] وفى الاحاديث الاخر التى من طريق ابن عمر وأبى هريرة وأبي سعيد وابن عباس وغيرهم إيجاب الغسل على كل مسلم وعلى كل محتلم، فهي زائدة حكما على ما في حديث ابن عمر، فالاخذ بها واجب * وأما قوله عليه السلام: (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) فكذلك أيضا سواء سواء وقد يريد الرجل أن يأتي الجمعة من أول النهار، وليس في هذا الخبر ولا في غيره إلزامه أن يكون اتيانه الجمعة لا من أول النهار وليس في هذا الخبر ولا في غيره الزامه أن يكون أتى متصلا بارادته لاتيانها، بل جائز أن يكون بينهما ساعات، فليس في هذا اللفظ أيضا دليل ولا نص يوجب أن يكون الغسل متصلا بالرواح * وأما قوله عليه السلام: (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) فظاهر هذا اللفظ أن الغسل بعد الرواح، كما قال تعالى: (فإذا اطمأننتم فاقيموا الصلاة) ومع الرواح كما قال تعالى (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) أو قبل الرواح كما قال تعالى: (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة) فلما كان كل ذلك ممكنا، ولم يكن في هذا اللفظ نص ولا دليل على وجوب اتصال الغسل بالرواح أصلا صح قولنا، والحمد لله * وأيضا فاننا إذا حققنا مقتضى ألفاظ حديث ابن عمر كان ذلك دالا على قولنا لانه انما فيها: (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) (أو أراد أحدكم أن يأتي إلى الجمعة [٢] فليغتسل). (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) وهذه ألفاظ ليس يفهم منها الا أن من كان من أهل الرواح إلى الجمعة وممن يجئ إلى الجمعة ومن أهل
[١] في المصرية (على كل من لم يأت إلى الجمعة)
[٢] في اليمنية (أن يأتي الجمعة)