الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣٢
وهذه الاصول العملية بدورها لا بد وأن تثبت بالأدلّة الشرعية من النوع الأوّل أو بحكم العقل، كما انّه لا تصل النوبة إلى هذا النوع من الأدلّة إلّا بعد فقد النوع الأوّل، فليس النوعان من الأدلّة في عرض واحد بل طوليان.
وهذا التقسيم وأحكام كل قسم وآثاره من أروع إنجازات فقهائنا وتخريجاتهم في اصول الفقه التي استنبطوها من فقه أهل البيت عليهم السلام.
المعلم التاسع: انفتاح باب الاجتهاد واستمرار حركته في فقه أهل البيت عليهم السلام وحرمة تقليد مجتهد لمجتهد آخر، كما انّه على كل مكلف إمّا أن يجتهد أو يقلّد مجتهداً حيّاً لا ميّتاً. ولو مات مقلّده وأراد أن يبقى على تقليده أو يقلّد مجتهداً ميّتاً ابتداءً فعليه أن يرجع إلى مجتهد حيّ أوّلًا، فاذا كان يرى جواز ذاك التقليد رجع إلى الميت بإذن الحي، وهذا يعني انّ التقليد لا بدّ وأن يبدأ بالمجتهد الحيّ دائماً.
وقد أدّى هذا الانفتاح في باب الاجتهاد إلى تطوّر هذا الفقه وسعة معطياته ودقّة مناهجه واستكشاف أعماقه وكنوزه وأدّى إلى تنامي الخبرات العلمية والفقهية للفقهاء جيلًا بعد جيل وتفوّقهم على من سبقهم تدريجياً. وأدّى إلى حيوية الفقه وقدرته على استخراج حكم كل مسألة مستجدة أو نظرية حديثة معتمداً على نفس المنهج لُاصول الاستنباط والاجتهاد المقرّر في هذا الفقه. وهذه امتيازات توجب تفوّق الفقه وتطوّره يوماً بعد يوم، كما انها توجب تعيّن الرجوع في التقليد إلى الفقهاء الأحياء من هذه المدرسة، لأنّ الواجب في التقليد الرجوع إلى الأفضل والأعلم دائماً.
المعلم العاشر: على الرغم من حجّية فتوى الفقيه الجامع لشرائط التقليد بالنسبة إلى نفسه وإلى مقلّديه إلّا أنّ هذا لا يعني انّ فتواه ورأيه يمثل حكم اللَّه الواقعي، بل هو من نوع الحكم الظاهري- حسب المصطلح الاصولي- الذي قد يكون غير مطابق مع الحكم الشرعي الواقعي، فلا تصويب لآراء الفقهاء والمجتهدين في فقه الامامية. وحجيتها في حقهم وحق مقلّديهم لا تعني أكثر من المعذّريّة لهم في مقام العمل، وهذا يختلف عن التصويب في حقيقته وفي آثاره، كما نقّحه علماؤنا في اصول الفقه.