مسند الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٥١٢ - ٧- باب الرأى و القياس
يبعث اللّه الرسل بما فيه الفصل و لم ينه عن الهزل و لم يعب الجهل و لكن الناس لما سفهوا الحق و غمطوا النعمة و استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم اللّه و اكتفوا بذلك دون رسله و القوام بأمره و قالوا لا شيء إلا ما أدركته عقولنا و عرفته ألبابنا.
فولاهم اللّه ما تولوا و أهملهم و خذلهم حتى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون و لو كان اللّه رضي منهم اجتهادهم و ارتياءهم فيما ادعوا من ذلك لم يبعث اللّه إليهم فاصلا لما بينهم و لا زاجرا عن وصفهم و إنما استدللنا أن رضا اللّه غير ذلك ببعثه الرسل بالأمور القيمة الصحيحة و التحذير عن الأمور المشكلة المفسدة.
ثم جعلهم أبوابه و صراطه و الأدلاء عليه بأمور محجوبة عن الرأي و القياس فمن طلب ما عند اللّه بقياس و رأى لم يزدد من اللّه إلا بعدا و لم يبعث رسولا قط و إن طال عمره قابلا من الناس خلاف ما جاء به حتى يكون متبوعا مرة و تابعا أخرى و لم ير أيضا فيما جاء به استعمل رأيا و لا مقياسا حتى يكون ذلك واضحا عنده كالوحي من اللّه و في ذلك دليل لكل ذي لب و حجى.
أن أصحاب الرأي و القياس مخطئون مدحضون و إنما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل فإياك أيها المستمع أن تجمع عليك خصلتين إحداهما القذف بما جاش به صدرك و اتباعك لنفسك إلى غير قصد و لا معرفة حد و الأخرى استغناؤك عما فيه حاجتك و تكذيبك لمن إليه مردك و إياك و ترك الحق سآمة و ملالة و انتجاعك الباطل جهلا و ضلالة لأنا لم نجد تابعا لهواه جائزا عما ذكرنا قط رشيدا فانظر في ذلك.