تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٥٦ - ذكر خبر لهراسب و ابنه بشتاسب و غزو بختنصر بنى إسرائيل و تخريبه بيت المقدس
ضعفه و هو انه عليه- بعوضة فدخلت في منخره ثم ساخت في دماغه حتى عضت بام دماغه، فما كان يقر و لا يسكن حتى يوجا له راسه على أم دماغه، فلما عرف الموت قال لخاصته من اهله: إذا مت فشقوا راسى، فانظروا ما هذا الذى قتلني؟ فلما مات شقوا راسه، فوجدوا البعوضة عاضه بام دماغه ليرى الله العباد قدرته و سلطانه، و نجى الله من كان بقي في يديه من بنى إسرائيل و ترحم عليهم و ردهم الى الشام و الى إيلياء المسجد المقدس، فبنوا فيه و ربلوا و كثروا، حتى كانوا على احسن ما كانوا عليه.
فيزعمون- و الله اعلم- ان الله أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا فلحقوا بهم.
ثم انهم لما دخلوا الشام دخلوها و ليس معهم عهد من الله، كانت التوراة قد استبيت منهم فحرقت و هلكت و كان عزيز من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع الى الشام يبكى عليها ليله و نهاره، قد خرج من الناس فتوحد منهم، و انما هو ببطون الأودية و بالفلوات يبكى، فبينما هو كذلك في حزنه على التوراة و بكائه عليها، إذ اقبل اليه رجل و هو جالس، فقال: يا عزير ما يبكيك؟
قال: ابكى على كتاب الله و عهده، كان بين أظهرنا فبلغت بنا خطايانا، و غضب ربنا علينا ان سلط علينا عدونا، فقتل رجالنا، و اخرب بلادنا، و احرق كتاب الله الذى بين أظهرنا، الذى لا يصلح دنيانا و آخرتنا غيره- او كما قال- فعلام ابكى إذا لم ابك على هذا! قال: ا فتحب ان يرد ذلك عليك؟
قال: و هل الى ذلك من سبيل؟ قال: نعم ارجع فصم و تطهر و طهر ثيابك، ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزير فصام و تطهر و طهر ثيابه، ثم عمد الى المكان الذى وعده، فجلس فيه، فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء- و كان ملكا بعثه الله اليه- فسقاه من ذلك الإناء، فمثلت التوراة في صدره، فرجع الى بنى إسرائيل، فوضع لهم التوراة يعرفونها بحلالها و حرامها و سننها و فرائضها