تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٨٨ - ذكر السبب الذى به هلك عدو الله و سولت له نفسه من اجله الاستكبار على ربه عز و جل
قال ابو جعفر: و اولى الاقوال في ذلك عندي بالصواب ان يقال كما قال الله عز و جل: «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ»، و جائز ان يكون فسوقه عن امر ربه كان من اجل انه كان من الجن، و جائز ان يكون من اجل إعجابه بنفسه لشدة اجتهاده كان في عباده ربه، و كثره علمه، و ما كان اوتى من ملك السماء الدنيا و الارض و خزن الجنان و جائز ان يكون كان لغير ذلك من الأمور، و لا يدرك علم ذلك الا بخبر تقوم به الحجه، و لا خبر في ذلك عندنا كذلك، و الاختلاف في امره على ما حكينا و رويناه.
و قد قيل: ان سبب هلاكه كان من اجل ان الارض كان فيها قبل آدم الجن، فبعث الله ابليس قاضيا يقضى بينهم، فلم يزل يقضى بينهم بالحق الف سنه حتى سمى حكما، و سماه الله به، و اوحى اليه اسمه، فعند ذلك دخله الكبر، فتعظم و تكبر، و القى بين الذين كان الله بعثه اليهم حكما الباس و العداوة و البغضاء، فاقتتلوا عند ذلك في الارض الفى سنه فيما زعموا، حتى ان خيولهم تخوض في دمائهم، قالوا: و ذلك قول الله تبارك و تعالى: «أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ»، و قول الملائكة: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»! فبعث الله تعالى عند ذلك نارا فاحرقتهم قالوا:
فلما راى ابليس ما نزل بقومه من العذاب عرج الى السماء، فأقام عند الملائكة يعبد الله في السماء مجتهدا لم يعبده شيء من خلقه مثل عبادته، فلم يزل مجتهدا في العباده حتى خلق الله آدم، فكان من امره و معصيته ربه ما كان