تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٨٧ - ذكر الاحداث التي كانت في ايام ملوك الطوائف
حطب ألقاها، ثم قعد في جانب البيت، فكلمه، ثم اعطاه ثلاثة دراهم، فقال: اشتر بهذه طعاما و شرابا، فاشترى بدرهم لحما، و بدرهم خبزا، و بدرهم خمرا، فأكلوا و شربوا، حتى إذا كان اليوم الثانى فعل به ذلك، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك، ثم قال: انى أحب ان تكتب لي أمانا ان أنت ملكت يوما من الدهر، قال: تسخر بي! قال: انى لا اسخر بك، و لكن ما عليك ان تتخذ بها عندي يدا! فكلمته أمه، فقالت: و ما عليك ان كان، و الا لم ينقصك شيئا! فكتب له أمانا، فقال: ا رايت ان جئت و الناس حولك، قد حالوا بيني و بينك! فاجعل لي آيه تعرفنى بها، قال:
ترفع صحيفتك على قصبه فاعرفك بها فكساه و اعطاه ثم ان ملك بنى إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكرياء، و يدنى مجلسه، و يستشيره في امره، و لا يقطع امرا دونه، و انه هوى ان يتزوج ابنه امراه له، فسال يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحها، و قال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه ان يتزوج ابنتها، فعمدت الى الجاريه حين جلس الملك على شرابه، فألبستها ثيابا رقاقا حمرا، و طيبتها، و ألبستها من الحلى، و ألبستها فوق ذلك كساء اسود، فارسلتها الى الملك، و أمرتها ان تسقيه، و ان تعرض له، فان أرادها على نفسها أبت عليه، حتى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته ان تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طست، ففعلت فجعلت تسقيه و تعرض له، فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا افعل حتى تعطيني ما اسالك، قال: ما تسأليني؟
قالت: اسالك ان تبعث الى يحيى بن زكرياء، فاوتى برأسه في هذا الطست، فقال: ويحك! سليني غير هذا! قالت: ما اريد ان اسالك الا هذا.
قال: فلما أبت عليه، بعث اليه فاتى برأسه، و الراس يتكلم، حتى وضع بين يديه، و هو يقول: لا تحل لك، فلما اصبح إذا دمه يغلى، فامر بتراب فالقى عليه، فرقى الدم فوق التراب يغلى، فالقى عليه التراب أيضا، فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة،