تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٣٠ - ذكر خبر اسا بن أبيا و زرح الهندي
فلما راى ذلك زرح ولى مدبرا فارا هو و من معه، و هو يقول: ان اسا ظهر علانية، و أهلكني صديقه سرا، و انى كنت انظر الى اسا و من معه واقفين لا يقاتلون و الحرب واقعه في قومى فلما راى اسا ان زرحا قد ولى مدبرا قال: اللهم ان زرحا قد ولى مدبرا، و انك ان لم تحل بيني و بينه استنفر علينا قومه ثانيه فاوحى الله الى اسا: انك لم تقتل من قتل منهم و لكنى قتلتهم، فقف مكانك، فانى لو خليت بينك و بينهم اهلكوكم جميعا، انما يتقلب زرح في قبضتي، و لن ينصره احد منى، و انا لزرح بالمكان الذى لا يستطيع صدودا عنه و لا تحويلا، و انى قد وهبت لك و لقومك عساكره و ما فيها من فضه و متاع و دابه، فهذا اجرك إذ اعتصمت بي، و لا التمس منك اجرا على نصرتك! فسار زرح حتى اتى البحر يريد بذلك الهرب، و معه مائه الف، فهيئوا سفنهم ثم ركبوا فيها، فلما ساروا في البحر بعث الله الرياح من اطراف الارضين و البحار الى ذلك البحر و اضطربت من كل ناحيه امواجه، و ضربت السفن بعضها بعضا حتى تكسرت، فغرق زرح و من كان معه، و اضطربت بهم الأمواج حتى فزع لذلك اهل القرى حولهم، و رجفت الارض، فبعث اسا من يعلمه علم ذلك، فاوحى الله اليه- و الله اعلم- ان اهبط أنت و قومك اهل قراكم، فخذوا ما غنمكم الله بقوة، و كونوا فيه من الشاكرين، فانى قد سوغت كل من أخذ من هذه العساكر شيئا ما اخذه فهبطوا يحمدون الله و يقدسونه، فنقلوا تلك العساكر الى قراهم ثلاثة اشهر و الله اعلم.
ثم ملك بعده يهوشافاظ بن اسا الى ان هلك خمسا و عشرين سنه