تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٢٩ - ذكر خبر اسا بن أبيا و زرح الهندي
بهؤلاء القوم؟ و ما ادرى ما قدر قلتهم في كثرتنا؟ انى لاستقلهم عن المحاربة، و ارى الا اقاتلهم.
فأرسل زرح الى اسا فقال له: اين صديقك الذى كنت تعدنا به، و تزعم انه يخلصك مما يحل بكم من سطواتى! ا فتضعون ايديكم في يدي فامضى فيكم حكمى، او تلتمسون قتالى! فأجابه اسا فقال: يا شقي، انك لست تعلم ما تقول، و لست تدرى! ا تريد ان تغالب ربك بضعفك، أم تريد ان تكاثره بقلتك؟ هو أعز شيء و اعظمه، و اغلب شيء و اقهره، و عباده أذل و اضعف عنده من ان ينظروا اليه معاينه هو معى في موقفى هذا، و لن يغلب احد كان الله معه.
فاجتهد يا شقي بجهدك حتى تعلم ما ذا يحل بك.
فلما اصطف قوم زرح و أخذوا مراتبهم، امر زرح الرماه من قومه ان يرموهم بنشابهم فبعث الله ملائكة من كل سماء- و الله اعلم- عونا لاسا و قومه، و ماده له، فوقفهم اسا في مواقفهم، فلما رموا نشابهم، حال المشركون بين ضوء الشمس و بين الارض، كأنها سحابه طلعت فنحتها الملائكة عن اسا و قومه، ثم رمت بها الملائكة قوم زرح فاصابت كل رجل منهم نشابته التي رمى بها، فقتل رماتهم بها كلها و اسا و قومه في كل ذلك يحمدون الله كثيرا، و يعجون اليه بالتسبيح، و تراءت الملائكة لهم- و الله اعلم- فلما رآهم الشقي زرح وقع الرعب في قلبه، و سقط في يده، و قال: ان اسا لعظيم كيده، ماض سحره، و كذلك بنو إسرائيل، حيث كانوا لا يغلب سحرهم ساحر، و لا يطيق مكرهم عالم، و انما تعلموه من مصر، و به ساروا في البحر، ثم نادى الهندي في قومه: ان سلوا سيوفكم، ثم احملوا عليهم حمله واحده.
فدقوهم.
فسلوا سيوفهم ثم حملوا على الملائكة فقتلتهم الملائكة، فلم يبق منهم غير زرح و نسائه و رقيقه