تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٢٨ - ذكر خبر اسا بن أبيا و زرح الهندي
و كتب فيها: ان ادع صديقك الذى اضللت به قومك فليبارزنى بجنوده، و ليظهر لي مع ما انى اعلم انه لن يطيقنى هو و لا غيره، لانى انا زرح الهندي الملك.
فلما قرأ اسا الكتب التي قدم بها عليه هملت عيناه بالبكاء، ثم دخل مصلاه، و نشر تلك الكتب بين يدي الله، ثم قال: اللهم ليس لي شيء من الأشياء أحب الى من لقائك، غير انى اتخوف ان يطفأ هذا النور الذى اظهرته في ايامى هذه، و قد حضرت هذه الصحائف و علمت ما فيها، و لو كنت المراد بها كان ذلك يسيرا، غير ان عبدك زرحا بكايدك و يتناولك، فخر بغير فخر، و تكلم بغير صدق، و أنت حاضر ذلك و شاهده.
فاوحى الله الى اسا- و الله اعلم- انه لا تبديل لكلماتى، و لا خلف لموعدى، و لا تحويل لأمري، فاخرج من مصلاك، ثم مر خيلك ان تجتمع، ثم اخرج بهم و بمن اتبعك حتى تقفوا على نشز من الارض.
فخرج اسا فاخبرهم بما قيل له، فخرج اثنا عشر رجلا من رؤسائهم، مع كل رجل منهم رهط من قومه، فلما ان خرجوا، ودعوا أهاليهم بالا يرجعوا الى الدنيا فوقفوا لزرح على رابيه من الارض فابصروا منها زرحا و قومه، فلما ابصرهم زرح نفض راسه ليسخر منهم، و قال: انما نهضت من بلادي، و انفقت أموالي لمثل هؤلاء! و دعا عند ذلك بالنفر الذين كانوا نعتوا عنده اسا و قومه، فقال: كذبتموني و زعمتم ان قومكم كثير عددهم! فامر بهم و بالامناء الذين كان بعثهم ليخبروه خبرهم، فقتلوا جميعا، و اسا في ذلك كثير تضرعه، معتصم بربه، فقال زرح: ما ادرى ما افعل