تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٢٠ - ذكر خبر اسا بن أبيا و زرح الهندي
فأذعنوا له بالطاعة، و انقطعت فيما بينهم و بينه كل حيله، و قالوا: قد فعل هذا بامه، فأين نقع نحن منه إذا خالفنا في امره، و لم نجبه الى دينه! فاحتالوا له كل حيله، فحفظه الله و اباد مكرهم فلما لم يكن لهم عن ذلك صبر، و لا على فراق دينهم قوام، ائتمروا بان يهربوا من بلاده، و يسكنوا بلادا غيرها، فخرجوا متوجهين الى زرح ملك الهند يطلبون ان يستحملوه على اسا و من اتبعه، فلما دخلوا على زرح سجدوا له، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن عبيدك، قال: و اى عبيدي أنتم؟ قالوا: نحن من أرضك ارض الشام، و انا كنا نعتز بملك، حتى ظهر فينا ملك صبى حديث السن سفيه، فغير ديننا، و سفه رأينا، و كفر آباءنا، و هان عليه سخطنا، فاتيناك لنعلمك ذلك، فتكون أنت اولى بملكنا، و نحن رءوسهم، و هي ارض كثير مالها، ضعيف أهلها، طيبه معيشتها، كثيره انضارها، و فيهم الكنوز و ملك ثلاثين ملكا، و هم الذين كان يوشع بن نون خليفه موسى سار بهم في البحر هو و قومه، فنحن و أرضنا لك، و بلادنا بلادك، و ليس احد فيها يناصبك، هم دافعون ايديهم إليك بغير قتال، بأموالهم و انفسهم مسالمه.
قال: لهم زرح: لعمري، ما كنت لأجيبكم الى ما دعوتموني اليه، و لا استجيب الى مقاتله قوم لعلهم اطوع لي منكم، حتى ابعث اليهم من قومى أمناء، فان وقع الأمر على ما تكلمتم به قدامى نفعكم ذلك عندي، و جعلتكم عليها ملوكا، و ان كان كلامكم كذبا فانى منزل بكم العقوبة التي تنبغى لمن كذبني.
قال القوم: تكلمت بالعدل، و حكمت بالقسط، و نحن به راضون.
فامر عند ذلك بالارزاق فاجريت عليهم، و اختار من قومه أمناء ليبعثهم جواسيس، فاوصاهم بوصيته، و خوفهم و حذرهم بطشه ان هم كذبوه،