تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٣١ - القول في الموضع الذى اهبط آدم و حواء اليه من الارض حين اهبطا إليها
ثم ان الله عز ذكره فيما ذكر انزل آدم من الجبل الذى أهبطه عليه الى سفحه، و ملكه الارض كلها، و جميع ما عليها من الجن و البهائم و الدواب و الوحش و الطير و غير ذلك، و ان آدم(ع)لما نزل من راس ذلك الجبل، و فقد كلام اهل السماء، و غابت عنه أصوات الملائكة، و نظر الى سعه الارض و بسطتها، و لم ير فيها أحدا غيره، استوحش فقال: يا رب، اما لأرضك هذه عامر يسبحك غيرى! فأجيب بما حدثنى المثنى بن ابراهيم، قال: أخبرنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد ابن معقل، انه سمع وهبا يقول: ان آدم لما اهبط الى الارض فراى سعتها و لم ير فيها أحدا غيره قال: يا رب، ا ما لأرضك هذه عامر يسبح بحمدك و يقدس لك غيرى! قال الله: انى ساجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدي و يقدسني، و ساجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى، و يسبح فيها خلقى، و يذكر فيها اسمى، و ساجعل من تلك البيوت بيتا اخصه بكرامتي، و أوثره باسمى، و اسميه بيتى، انطقه بعظمتي، و عليه وضعت جلالي ثم انا مع ذلك في كل شيء و مع كل شيء، اجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله و من تحته و من فوقه، فمن حرمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي، و من اخاف اهله فيه فقد اخفر ذمتي، و أباح حرمتي اجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركا، يأتونه شعثا غبرا على كل ضامر، من كل فج عميق، يرجون بالتلبيه رجيجا، و يثجون بالبكاء ثجيجا، و يعجون بالتكبير عجيجا، فمن اعتمده و لا يريد غيره فقد وفد الى و زارني و ضافنى، و حق على الكريم ان يكرم وفده و أضيافه، و ان يسعف كلا بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حيا، ثم تعمره الأمم و القرون و الأنبياء من ولدك أمه بعد أمه، و قرنا بعد قرن.
ثم امر آدم ع- فيما ذكر- ان ياتى البيت الحرام الذى اهبط