القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٦٥ - فصل في السبات والنوم
وقريب من هذا، ما يعرض بسبب التخمة وطول لبث الطعام في المعدة، وهؤلاء يزول سباتهم بالقيء. وهذان السببان هما بعينهما سبباً أكثر ما يعرض من السبات إذا استحكما، وقد يجتمع البرد والرطوبة معاً في أسباب النوم، إلا أن السبب المقدّم منهما حينئذ يكون هو البرد وتعينه الرطوبة، كما يجتمع في السهر الحر واليبوسة، ويكون السبب، الحقيقي هو الحَر وتعينه اليبوسة. وللسبات أسباب أخر، من ذلك اشتداد نوائب الحمّى، وإقبال الطبيعة بكنهها على العلة، وانضغاطها تحت المادة، فيتبعها الروح النفساني كما قيل، وخصوصاً إن كانت مادة الحمّى بلغمية باردة وإنما سخنت بالعفونة.
وقد يكون لرداءة الأخلاط والبخارات المتصعّدة إلى مقدّم الدماغ من المعدة والرئة في عللهما وسائر الأعضاء.
وقد يكون من كثرة الديدان وحبّ القرع، وقد يكون من انضغاط الدماغ نفسه تحت عظم القحف، أو صفحه، أو قشره إذا أصاب الدماغ ضربة.
وأشد البطون إسباتاً عند القطع هو أشدّها منه إسباتاً عند الضغط، وقد يكون لوجع شديد من ضربة تصيب عضلات الصدغ، أو على مشاركته لأذى في فم المعدة، أو في الرحم، فينقبض منه الدماغ، وتنسدّ مسالك الروح الحساس انسداداً تعسر معه حركة الروح إلى بارز، وقد يكون لشدّة ضعف الروح وتحلله، فيعسر انبساطه. ولأنّ أول الحواس التي تتعطل في النوم والسبات هو البصر والسمع، فيجب أن تكون الآفة في السبات في مقدم الدماغ، وبمشاركة فساد التحليل، فإنه لو كان قد سلم مقدم الدماغ، وإنما عرض الفساد لمؤخره، لم يجب أن يصيب البصر والسمع تعطل، ولم يكن نوم، بل كان بطلان حركة أو لمس وحده، ولكانت الحواس الأخرى بحالها، كما يقع ذلك في أمراض الجمود والشخوص ولم يكن ضرر السبات بالحسّ فوق ضرره بالحركة، فإنه يبطل الحس أصلًا، ولا يبطل الحركة أصلًا، فإنها تبقى في التنفس سليمة. ويجب أن تكون السدة الواقعة في السبات ليست بتامّة، ولا بكثيفة جداً، وإلا لأضرت بالتنفس. وكل سبات يتعلق بمزاج فهو للبرد أولًا، وللرطوبة ثانياً، وقد ينتقل إلى السبات من مثل ذات الجنب وذات الرئة ونحو ذلك.
ومن الناس من تكون أخلاطه ما دام جالساً منكسرة غير مؤذية، فيغلبه النعاس، فإذا طرح نفسه غارت الحرارة الغريزية فتثوّرت وهاجت أبخرة إلى الدماغ، فلم يغشه النوم، لا سيما في يابس المزاج. وإذا كثر غشيان النوم أنفر بمرض، وقيل: ماء الرمان مما يبطئ في المعدة، ويحبس البخارات ويخلص من السهر. وقد ذكرنا كيف ينبغي أن تكون هيئات المضطجع على الغذاء. ونقول الآن: إن استعمال الاستلقاء للغذاء كثيراً يوهن الظهر ويرخيه، وعلاجه استعمال الانتصاب الكثير. والنوم في الشمس وفي القمر على الرأس مخوف منه، مورث لتنخّع الدم لما يحرك من الأخلاط، والخرخرة سببها انطباق فم القصبة، فلا يخرج النفس إلا بضرب رطوبة.