من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٧ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
وهناك تبرير آخر يتمثل في محاولة الاعتماد على البدائل فمثلا أصحاب المال يظنون أنهم حينما يعطون مالا في سبيل الله، فسوف يحررون أنفسهم من تطبيق القيم والالتزام بالمسوؤلية، أو يرفعون عنها مسؤولية ممارسة الكبائر والفواحش. كلا، أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى عن ذكر الله، وعن تطبيق الحق وتحمُّل الأمانة، ثم أعطى بعض المال ليتهرب من المسؤولية؟ وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى أي أعطى شيئا قليلا ثم توقف كليًّا عن العطاء.
[٣٥- ٣٨] بل إن أصحاب المال يظنون أنهم على حق ومن أهل الجنة لمجرد كونهم من المترفين، وهذا التمني عميق لديهم بدليل آيات سورة الكهف وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف: ٣٤- ٣٦].
والقرآن يستنكر على المترفين هذا الظن قائلا: متى عرف هؤلاء ما في الغيب حتى يحكموا بأنهم أفضل الناس عند ربهم؟!.
أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى كلا .. إنه لا يعرف شيئا عن الغيب، وهذه قضية وجدانية. فلا يملك أحد أن يدعي علما بالغيب. إذن فكيف يطَّلع على الحقيقة ويتمنى خلاصه من النار بقياس حاله في الآخرة بحاله في الدنيا، والاعتقاد بأن الله لم يسبغ عليه نعمه في الدنيا إلا لأنه يحبه فينبغي أن يكون محبوبا عند الله في الآخرة أيضا. بلى يمكنه ذلك لو اتبع هدى الأنبياء ورسالاتهم التي تكشف عن جوانب منه.
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى لا يعلم الغيب ولا يتبع الرسالات الإلهية ولقد جاءت الرسالات كلها بالمسؤولية، ولكن الإنسان وهو أكثر شيء جدلا، ويحاول التهرب منها بطبعه الضعيف، وبحنينه الدائم نحو التراب. ويبرر ذلك بأنه ينتمي إلى أنبياء الله، كما زعم اليهود أن انتماءهم إلى موسى عليه السلام يرفع عنهم المسؤولية. فقالوا نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨].
وكما زعمت قريش أن انحدارها من صلب إبراهيم عليه السلام يعطيها الشرف ويمنع عنها العذاب الإلهي .. كلا إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٦٨]، إن إبراهيم عليه السلام كان وفيًّا لله تعالى، ضحَّى بماله ونفسه وقدم ابنه لله قربانا، وأودع زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل في الصحراء. والذي يريد أن يكون في شيعته لا بد أن يتحمل من المسؤولية كما تحمل عليه السلام، ولم يكن في صحف موسى وإبراهيم عليهما السلام التي