من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٣ - له الأسماء الحسنى
أولًا: الخلق، ويبدو أن معناه صنع الأشياء بعد ابتداعها، ولذلك يمكن أن يسمى غير الله خالقا، وقد قال ربنا فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤] وقال سبحانه وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [المائدة: ١١٠].
ثانياً: ونحن إذ نصنع شيئا فإنما نغير شيئا موجودا من صورة لأخرى، في حين أن ربنا سبحانه أنشأ الخلق إنشاءً، وابتدعه ابتداعا، لا من شيء كان احتذى به، ويبدو أن هذا هو معنى الْبَارِئُ حيث قال المفسرون: إن معناه المنشئ المبتدع، وبهذا صرَّح طائفة من اللغويين أيضا. وقال بعضهم: إن أصل معنى برأ شُوفي من مرض، ثم توسع ليشمل من يصنع شيئا بلا نقص أو عيب، وعلى هذا فإن الْبَارِئُ هنا الذي أتقن خلقه فلم يدع فيه ثغرة أو فطورا.
ثالثاً: وقد خلق الله الأشياء بعد أن أبدعها، وبعد أن قدَّرها تقديرا حسنا، ولعل هذا هو معنى الْمُصَوِّرُ فقد قدَّر في علم الغيب العالم بما شاء ثم أبدع مادة العالم لا من شيء، ثم خلقه وصنعه بأحسن الصنع سبحانه. وقيل: إن التصوير هو التشكيل والتخطيط، وهو يتم بعد الإنشاء والصنع، فيكون المعنى أنه سبحانه أحسن صنع الأشياء، وأحسن صورها.
رابعاً: ليست أسماء الله محدودة بهذه الكلمات على عظمتها، بل لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى جميعا. أفليست الخلائق آياته؟ أوليست آياته تجليات أسمائه، فهو نور السماوات والأرض، وله المثل الأعلى؟! وإذا نظرت إلى آية من آيات قدرته وعظمته وبهائه وجلاله فاتخذها وسيلة إلى معرفة ربك، وادعه بها لأن الذي تدعوه .. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وجاء في الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه واله
«لله عَزَّ وجَلَّ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ اسْماً مَنْ دَعَا اللهَ بِهَا اسْتُجِيبَ لَهُ، ومَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» [١].
إن معرفة الله بأسمائه الحسنى تُحصِّن الإنسان من الإلحاد فيها، والتنكُّب عن صراطه القويم، ذلك أن جهالة الإنسان، ووساوس الشيطان تدفعه نحو تقديس غير الله، أو اتباع الشركاء من دونه، مما يهلكه ويجعله من الخاسرين، وإنما النجاة عن ضلالة الشرك الظاهر والخفي بتسبيح الله وتقديسه، وذكر أسمائه الحسنى، فإذا عَظُم الخالق في قلب الإنسان تلاشى عنه غيره. أوليس النور نجاة من الظلام كذلك التوحيد نجاة من الشرك.
وحين نقدس- نحن البشر- ربنا العزيز فإننا ننسجم مع سنة العالم، فكل ما في السماوات والأرض يسبح له، وهكذا تخدم سنن العالم من يسبح الله ويوحده، والذي يشرك به يبقى وحده فيتخطفه الشيطان ويلقيه في سواء الجحيم.
[١] وسائل الشيعة: ج ٧، ص ١٤٠.