من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٠ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
لغرض آخر، وهو إثبات العدالة الإلهية إثباتاً عمليًّا للخلق، فليس معنى لا يَسْأَلُ أنهم لا يحاكمون البتة، لأن الله يقول وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنعام: ٣٠].
وقال* احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: ٢٢- ٢٤] عن الذنوب هل هي من قِبَلِهم أم لا .. فهم معروفون عند الله. ولكن هذا الإيقاف ليس لسؤالهم وإنما السؤال للتبكيت والتقريع. إذن لا ينبغي أن نختفي وراء جدر التبرير والأعذار لأننا لن نجد مجالا يومئذ لبيانها حتى تُقبل أو تُرد.
وقيل: إن فريقا من المجرمين وهم أئمة الإجرام والكفر والموغلين في الانحراف لا يُسألون حتى مجرد السؤال وإنما يُؤمر بهم إلى جهنم مباشرة حيث العذاب، ولا يُعطون فرصة لسؤالهم إمعانا في تحقيرهم وإهانتهم وعذابهم، قال رسول الله صلى الله عليه واله
«إِنَّ الله يُحَاسِبُ كُلَّ خَلْقٍ إِلَّا مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فَإِنَّهُ لَا يُحَاسَبُ وَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ»
[١]، وقال صلى الله عليه واله
«سِتَّةٌ يَدْخُلُونَ النَّارَ قَبْلَ الحِسَابِ بِسِتَّةٍ
، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَارَسُولَ الله؟، قَالَ صلى الله عليه واله
الأُمَرَاءُ بِالجَوْرِ، وَالعَرَبُ بِالعَصَبِيَّةِ، وَالدَّهَاقِينَ بِالكِبْرِ، وَالتُّجَّارُ بِالخِيَانَةِ، وَأَهْلُ الرَّسَاتِيقِ بِالجَهَالَةِ، وَالعُلَمَاءُ بِالحَسَدِ» [٢].
وقال الصادق عليه السلام
«ثَلَاثَةٌ يُدْخِلُهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَثَلَاثَةٌ يُدْخِلُهُمُ اللهُ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَأَمَّا الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ: فَإِمَامٌ عَادِلٌ، وَتَاجِرٌ صَدُوقٌ، وَشَيْخٌ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي طَاعَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ: فَإِمَامٌ جَائِرٌ، وَتَاجِرٌ كَذُوبٌ، وَشَيْخٌ زَانٍ» [٣].
و السؤال كيف يُعرف المجرمون يوم القيامة؟!.
إن الله يعرفهم بعلمه الذي أحاط بكل شيء، ومن خلال كتب أعمالهم، ثم إن يوم القيامة هو التجلي الأعظم للحقائق، فالذي يأكل أموال اليتيم بالباطل إنما يأكل في بطنه نارا وهذه الحقيقة تتجلى يومئذ لكل الناس، حيث يشاهده العالمون والنار تشتعل في بطنه اشتعالا.
كما أن الذي يمارس الجريمة- أية جريمة- فإنها تترك أثرا في شخصيته، بيد أن الحقيقة خافية على الناس في الدنيا، أما في الآخرة حيث تُبلى السرائر فإنها تظهر على الملأ لا تخفى منه
[١] بحار الأنوار: ج ٧، ص ١١٠.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٣، ص ١٥٦.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧٢، ص ٣٣٧.