من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
تُسبِّبُ هذه النظرة الموغلة في السلبية في العقد والانحرافات النفسية والاجتماعية عند الإنسان، فهي التي تغل فاعلياته وتمنعه من السعي، ولماذا يسعى وهو يائس من التوفيق والنجاح؟.
والنظرة الإيجابية إلى أسماء الله، بالتعرف عليها والإيمان بها، تملأ القلب أملا ورجاء وتبعث بالإنسان نحو السعي والنشاط، وتفجر الطاقات الكامنة في شخصيته، إنه حينئذ ينفق ويضحِّي في سبيل الله ومن أجل مبادئه، راضيا بما يفعل، مطمئنا إلى رحمة ربه، وفي الخبر
«مَنْ أَيْقَنَ بِالخَلَفِ جَادَ بِالعَطِيَّةِ»
[١]. وكيف يوقن أحد بالخلف فيعطي أو يقلع من ذنوبه وأخطائه وهو لا يعرف ربه بالرحمة والغفران؟! لا ريب أنه لن ينفق ولن يتوب.
ولذلك يسعى القرآن بمنهجيته الحكيمة التي يلمسها المتدبر في آياته لمواجهة هذه النظرة السلبية المقيتة، وَبَثَّ البصيرة الإيجابية في روع البشر تجاه ربه.
وحيث تدعونا هذه السورة إلى التعرف على اسم (الرحمن)، وتذكرنا بمظاهر هذا الاسم في الخليقة، والآيات الهادية إليه فإنها تحذرنا من التكذيب بها، بذكر جانب من عذاب المجرمين الذين صاروا إلى الجريمة بسبب تكذيبهم، كما ترغِّبنا في التصديق بها، من خلال التفصيل في بيان جزاء الذين عرفوا الرحمن حق معرفته، وقدروه حق قدره فخافوا مقامه.
بينات من الآيات
[٣٧- ٣٨] يمكن للإنسان في الدنيا أن يكذب بآلاء ربه (نعمه وآياته) أو يتملص من تطبيق الحق، ويبرر ذلك بمختلف الحجج الواهية، لأن الله أمهله فيها وسمح له أن يفعل ما يشاء، أما في الآخرة حيث يخلص الحكم لله، فلا يملك إلا التسليم للحق، قال تعالى وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً [الفرقان: ٢٥- ٢٦]، فمنظر القيامة بما فيه من تحولات كونية هائلة يعري الإنسان من كل لبس في شخصيته الفقيرة المحتاجة.
إن السماء هذا السقف العظيم الذي يحفظ الناس ويظلهم تفقد تماسكها يوم القيامة، ويتبدل لونها من الزرقة إلى الحمرة تشبه في ذلك الوردة الحمراء، وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة: ١٦] ثم تذوب وتسيل يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج: ٨]، حتى تُضحى دهانا، وهو ما يستخرج من الورد بعد غليه وعصره.
فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ لعل سبب تشبيهها بالوردة لأنها
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ٤، ص ٤١٦.