من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٠ - إن هو إلا وحي يوحى
[١٦- ١٧] وهناك تجلى نور الرب لنبيه الأعظم صلى الله عليه واله فغشي السدرة، كما تجلى من قبل لموسى بن عمران عليه السلام ففاض نور الوحي على تلك الشجرة التي أوحى الله إليه عندها.
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى من نور ربها، وعندها ثبَّت الله فؤاد نبيه ليرى ذلك النور، ويبصر به آياته، قال الإمام أبو جعفر عليه السلام
«فَتَجَلَّى لِمُحَمَّدٍ نُورُ الجَبَّارِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمَّا غَشِيَ مُحَمَّداً صلى الله عليه واله النُّورُ شَخَصَ بِبَصَرِهِ وَ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ.
قَالَ
فَشَدَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ قَلْبَهُ وَ قَوَّى لَهُ بَصَرَهُ حَتَّى رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ مَا رَأَى»
[١] فلأن الله ثبَّته استطاع أن يستوعب الحقائق.
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى والزيغ هو الانحراف، قال تعالى فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، يعني لما انحرفوا عن الحق، وقال رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: ٨]، أي لا تحرفها عن الحق، وقال فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ- أي انحراف فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]، ولكن زيغ البصر هنا يعني انحرافه بعامل الخوف، ويشبهه قول الله إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ [الأحزاب: ١٠].
أما الطغيان فهو الزيادة السلبية في الشيء، ومنه طغيان الحاكم إذا بالغ في الظلم، وطغيان النهر إذا فاض ماؤه، وطغيان البصر أن يرى الإنسان الشيء أضخم من حجمه، والرسول لم يزغ بصره، بل كان مطمئنا ركَّز نظره في الحقيقة لم ينحرف عنها بما ثبته الله تعالى، ولم تطغ عينه حتى نقول إن ما رآه صغيرا ولكنه صوَّره لنا أكبر من حجمه عندما رجع من عروجه.
[١٨] إن الآيات التي رآها كانت كبيرة بالفعل لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى كسدرة المنتهى التي تُظِلُّ الورقة منها الدنيا بأجمعها، ويقف عليها ملك يسبح الله لا يفتر عن ذلك، وكنور الله الذي تجلى للنبي صلى الله عليه واله عندها، وهكذا الكثير من الآيات التي تعرضت إليها أحاديث الإسراء والمعراج، إلا أن الكبر في الآيات لا ينصرف إلى حجمها وحسب، إنما هي قبل ذلك كبيرة في دلالتها على الحق.
وكلمة أخيرة: إن الآيات التي رآها الرسول صلى الله عليه واله لا يلمُّ بها الكلام مهما كان طويلا وواضحا، وقد لا تستوعبها أذهاننا، لأن الكثير منها حقائق غيبية مجردة، لذلك يأتي ذكرها في القرآن كما في الأخبار ذكرًا إجماليًّا.
[١] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٣٦٤.