من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٨ - أولئك حزب الله
أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ عند أنفسهم إذ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وعند الله الذي لا تخفى عليه خافية. وحلفهم الباطل هو جزء من كذبهم. والآية تهدينا إلى نسف قاعدة النفاق ألا وهي زعم أن الإيمان هو هذه الممارسات القشرية، هذه اللحى المرسلة، والثياب القصيرة، والشعارات الفارغة، والأيمان المغلظة، والمبالغة في ادعاء الالتزام بالدين، كلا .. إن كل ذلك ليس من الإيمان في شيء ما دام في القلب مودة للكفار، وولاء لهم!
لأن الإيمان- أصل الإيمان- هو تولي الله وأوليائه، والبراءة من أعداء الله.
[١٩] ثم يبين القرآن واحدا من العوامل الخفية والمهمة التي تقف وراء شخصيتهم التافهة. إنه استسلامهم للشيطان، يسوقهم سوقا حثيثا حيث يشاء اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ لأنهم ضعفوا أمام إغراءاته وتحريضاته وأساليبه، والشيطان ليس الجني وحسب، بل هو كل أحد يدعو الإنسان إلى معصية ربه، كعلماء السوء، ووسائل الإعلام المضللة، والأنظمة المنحرفة، وكذلك الأحزاب والحركات الضالة. ولا يتسلط على أحد ما دام يملك الإيمان. أوليس الإيمان حصن الاستقلال؟ أو جنة للفؤاد من الفتن والشهوات، فإذا فقد البشر ثقته بالله وتوكله عليه عند عصف الشهوات، وتواصل الضغوط، فأنى له الصمود؟ إنه يُضحي كما الريشة في بؤرة الزوبعة، فاقدا لأية إرادة أو أصالة وتفكير، يستسلم لمن يسوقه من شياطين الجن والإنس.
والإنسان لا يمكن أن يعيش فراغاً قياديًّا، فهو إن لم يناصر الحق، ويوالي قيادته، وينتمي إلى تجمعه، نصر الباطل، ووالى رموزه، وانتمى إلى تياره، وقد رفض المنافقون الخط الأول، واتبعوا أهواءهم وشهواتهم، فوقعوا في أشراك الشيطان، وتمكن منهم إلى أقصى حد.
وقالوا في معنى كلمة اسْتَحْوَذَ أنها من أحوذ الشيء أي جمعه وضم بعضه إلى بعض، وإذا جمعهم فقد غلبهم وقوي عليهم. وقال بعضهم: [أنه من الحوذ وهو ظاهر فخذ الإبل حيث تساق من خلال ذلك المحل]. والمراد واضح وهو الغلبة عليهم.
فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ في قلوبهم وسلوكهم وواقعهم العملي. وحيث إن في ذكره تعالى كل الربح والفلاح، فإن نسيانه خسارة عظيمة للإنسان، وإن الشيطان ليبدأ في الإضلال من أصغر الأمور خطوة بعد خطوة حتى يتمكن من صاحبه، ويستخدم لذلك شتى الأساليب الماكرة، وأهمها تزيين الدنيا والذنوب لديه، وإثارة التمنيات في قلبه، وبعثه نحوها، ومزج الحق بالباطل. قال أمير المؤمنين عليه السلام
«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ الله، يَتَوَلَّى فِيهَا رِجَالٌ رِجَالًا، فَلَوْ أَنَّ البَاطِلَ خَلَصَ لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي حِجًى،