من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٧ - أولئك حزب الله
ولقد أوضح القرآن في هذه الآيات ملامح المنافقين لكي نُميِّزهم عن الصادقين، ونقضي بذلك على أعصى عقدة في المجتمع الإسلامي وأكبر خطر.
[١٧- ١٨] أما عن جذر مشكلة النفاق، والتولي لأعداء الله، فإنه حطام الدنيا وزينتها مما يلهث وراءه الإنسان بطبعه وهواه، وحينما نتدبر القرآن، ونقوم بدراسة للواقع الاجتماعي والسياسي لتاريخ الأمم، فإننا نجد أن طائفة كبيرة من المنافقين، وبالذات الرؤوس فيهم، هم من أصحاب المال والقوة، ويؤكد ربنا أن شيئا من حطام الدنيا لن ينفعهم إذا حل بهم عذابه، أو عُرضوا على النار يوم القيامة، لأن ما ينفع الإنسان هنالك عمله الصالح وليس المال والأعوان.
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً ولو افتدوا بملء الأرض ذهبا، ولو اجتمع الإنس والجن لنصرتهم، ولعلنا نفهم من الآية أنهم يوظفون الأموال والأنصار من أجل أهدافهم القذرة، أو أنهم يتحصنون بهما- كما يفعل الطواغيت والظلمة- عن الفضيحة والأذى في الدنيا.
أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ نعم، إن المنافقين قد يتنعمون في الدنيا، وينالون نصيبا من زينتها، ولكنهم في الآخرة لا نصيب لهم إلا العذاب المستمر، وقوله تعالى لَنْ تُغْنِيَ نفيا قاطعا مؤكدا مؤبدا، فيه إشارة إلى كونها تغني عنهم في الدنيا شيئا محدودا.
ثم يضع القرآن أمامنا صورة للمنافقين في الآخرة، إذ يحلفون بالله طمعا في النجاة بالمخادعة، ذلك أن الحلف والأيمان ربما تصلح جنة في الدنيا وأمام الناس، أما الله فإنه قد أحاط شهادة وعلما بكل شيء، ولو أدرك الإنسان هذه الحقيقة بعمق لترك النفاق.
يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ فيقولون وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] إصرارا على النفاق المتأصل فيهم، وطمعا في الخلاص من الفضيحة والعذاب. وهذه الآية تهدينا إلى حقيقة مهمة وهي أن الإنسان يبعث بخلقياته وطبائعه التي يموت عليها، بلى؛ ليس يبعث الإنسان بجسمه وحسب، بل وبكل خصائصه النفسية والسلوكية، فترى الكاذبين يومئذ بأفواه نتنة، والمتكبرين في صورة ذر يطؤهم الناس بالأقدام، والمنافقين بوجهين لازدواج شخصيتهم في الدنيا.
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أي شيء من شأنه يُمضي مكرهم وخداعهم عند الله، قدرة، أو مالا، أو نصيرا، أو ما أشبه، كلا .. فإن الله لا تخدعه المظاهر، ولا الإعلانات، ولا ..، لأنه شهيد على سرهم وجهرهم، عليم بحقيقتهم، خبير بما عملوا وما يعملون.