من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٩ - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
ويأتي الأمر الإلهي بالتسابق الذي يستهدف (المغفرة والرضوان)، وهو أعلى مراحل السعي الإيجابي وحالاته، في مقابل التكاثر في الأموال والأولاد، الذي يستهدف جمع أكبر قدر من حطام الدنيا، ويمثل أسفل دركات العلاقة والانشداد بها، بالرغم من اعتقاد الإنسان بأنه يبلغ الكمال عندها. ويصل التسابق إلى أقصاه حينما ينبذ المؤمنون الغرور بالعمل والأماني، وينطلقون من الإحساس بالتقصير، لأن الإحساس بالكمال يوقفهم عن السعي والاستزادة، ولذلك قال تعالى سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ، إن هذا الإحساس بالتقصير هو من صفات المتقين حسب ما يقول الإمام علي عليه السلام عنهم
«لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ القَلِيلَ ولَا يَسْتَكْثِرُونَ الكَثِيرَ، فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ومِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ، إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ»
[١]، وهذه الصفة هي التي تصنع الإبداع والفاعلية في الفرد والمجتمع، وتجعله يتقدم إلى الإمام أبدا.
ما هو الموقف السليم من متغيرات الدنيا؟.
[٢٢- ٢٣] وحيث يعيش المؤمنون في الدنيا، ويسابقون إلى فضل الله، فلا بد أن يستوعبوا طبيعتها المتغيرة لكيلا تترك آثارها السلبية فيهم، ففيها الغنى والفقر، والشفاء والمرض، والقوة والضعف، والنصر والهزيمة، والزيادة والنقص، ولا بد أن يستقيموا على كل حال، فالذي يتغير مع الظروف والمتغيرات لا يصل إلى أهدافه وطموحاته، لأنه تضله النعمة بطرا، والمصيبة يأسا، أو يعطي ويسابق حيث تسود هذه الحالة المجتمع ويلقى التشجيع إليها، ولكنه يتوقف حيث توقف الآخرون، أو ثبطوه، فكيف يحصل الإنسان على الثبات؟.
أولًا: بالمعرفة العميقة بطبيعة الدنيا على ضوء الآية الكريمة اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ والرغبة في فضل الله، مما يُزهِّد الإنسان فيها، فلا يفرح حين تُقبل عليه، ولا يحزن حين تُدبر عنه، لأنها ليست بذات شأن عظيم عنده.
قال الإمام علي عليه السلام
«النَّاسَ ثَلَاثَةٌ: زَاهِدٌ وصَابِرٌ ورَاغِبٌ، فَأَمَّا الزَّاهِدُ فَقَدْ خَرَجَتِ الأَحْزَانُ والأَفْرَاحُ مِنْ قَلْبِهِ فَلَا يَفْرَحُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا ولَا يَأْسَى عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَاتَهُ، فَهُوَ مُسْتَرِيحٌ»
[٢]، وقال عليه السلام
«الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ قَالَ اللهُ سُبْحَانَه
لِكَيْلا
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٩٣ (خطبة المتقين).
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٤٥٥.