من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٨ - ويؤثرون على أنفسهم
المزيد من التوفيق للتخلق بهما، وأن يرأف بهم بنزع الأغلال من قلوبهم تجاه بعضهم، ويرحمهم بالغفران.
[١١- ١٢] تلك كانت صورة المؤمنين في توادهم وتراحمهم، وهناك صورة معاكسة تمثل المنافقين والكافرين، وتحكي تفتت علاقاتهم، ويحدثنا السياق عن أمثولة لها من علاقة منافقي المدينة مع كفار بني النضير، فبالرغم من العهود والمواثيق التي أعطوها المنافقون لهؤلاء، ورغم التحالفات التي عقدوها مع بعضهم ضد الإسلام والرسول إلا أن ذلك لم يضف إلى تماسكهم شيئا، إنما تقطعت بهم الأسباب مع أول مواجهة تمت بين اليهود وبين المسلمين. وهذه الأمثولة جديرة بالتأمل من قبل المؤمنين بالذات وهم يخوضون الصراع مع الأعداء، فإن ذلك ينفخ فيهم روح الثقة والاطمئنان بالنصر، ولذلك يدعو الله نبيه وكل مؤمن إلى دراسة ذلك بقوله سبحانه* أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا وسُمِّي المنافق منافقاً اشتقاقا من: [نافقاء اليربوع] [١] (جحره) فإنه يُخفي نفسه فيها، كما يتخذ المنافق نفقا من التصنع والتكلف والكذب يخفي فيه شخصيته الحقيقية، ولقد كان المنافقون على مر التاريخ مزدوجي الشخصية، فهم بين المسلمين يتظاهرون بأحسن صور الإسلام، وبين الكفار يظهرون على حقيقتهم المعادية للحق ولأهله، ويتخذون ذلك مطية لنيل الغنيمة والمصلحة من الفريقين.
يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ هؤلاء هم إخوانهم الحقيقيون لأن شخصيتهم ومصالحهم وأهدافهم واحدة، بالرغم من تظاهرهم بالأخوة للمؤمنين، وليس إخوتهم كل أهل الكتاب ففيهم المؤمنون، إنما إخوانهم الكافرون والمشركون منهم، وجزء من مسيرة النفاق تربص أهله الدوائر بالمؤمنين بحثا عن المصلحة التي لا تتحقق بسيادة الحق وأتباعه المخلصين، لذلك ارتأى المنافقون وقد بدت علامات الحرب بين بني النضير والمسلمين أن يؤججوا الصراع طمعا في انتصار الباطل، وصعودهم داخليًّا إلى سدة الحكم، أو على أقل تقدير تجنبهم المخاطر المترتبة على هزيمة المؤمنين لو حسبهم أولئك منهم، ولكنهم- وهذا ديدنهم في كل زمان ومكان- لم يضعوا البيض كله في سلة اليهود، إنما وضعوا احتمال هزيمتهم فخططوا ومكروا على أساسه بأن تبقى تحالفاتهم مخفية، حتى لو انهزم اليهود لا يفقدون كل شيء بين المسلمين المنتصرين، فراحوا يتسللون لهم فرادى وجماعات، ويكاتبونهم مؤكدين لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ أي لو قرر المسلمون إخراجكم فسنخرج، ومصيرنا وإياكم واحد على كل حال. ولعل في الآية إشارة إلى أن مصير المنافقين ووجودهم مرهون بدعم القوى الخارجية بحيث لا يبقى لهم كيان ولا مبرر وجود من دون تلك التحالفات، لذا
[١] مفردات غريب القرآن: ص ٥٠٢.