من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٠ - وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
ولقد كانت العرب ترى أن الرجل إذا قال لزوجته: (أنت علي كظهر أمي) حرمت عليه أبدا، وكان ينطوي هذا الحكم على ظلم كبير للمرأة التي لا تعاشر آنئذ معاشرة الأزواج، ولا تُسَرَّح لتتزوج من رجل آخر.
لقد كان الظهار من العادات الجاهلية التي فتَّتت الكثير من الأسر قبل بزوغ نور الإسلام، وقد تعوَّد عليها المجتمع، وبقي إيمان الكثير بها إلى ما بعد إسلامهم، وحيث أراد الله لرسالته أن تكون بديلا عن الجاهلية فقد نزل الوحي يدافع عن الأسرة باعتبارها إذا صلحت وقويت كانت أساس بناء المجتمع والحضارة، ومن هذا المنطلق حارب القرآن فكرة الظهار، واعتبرها منكرا وقولا زورا، لا يبرره شرع الله ولا الواقع، فإن قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي لا يُصَيِّرها أمًّا له، إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً، وهذا يشبه- و لكن بصورة أعظم خطرا عند الله وفي واقع المجتمع- فكرة الأدعياء التي عالجها الذكر الحكيم في سورة الأحزاب [١].
وفي الوقت الذي تُسَفِّه سورة المجادلة فكرة الظهار كما يتصورها الجاهليون من المسلمين، بأنها لون من الطلاق الدائم الذي لا تصح بعده الرجعة، تؤكد هذه السورة أن الرجعة ممكنة حفاظا على كيان الأسرة والمجتمع ورعاية لعواطف الإنسان، ولكنها تفرض كفارة على الرجعة قبلها (تحرير رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا)، وذلك يعني أن الإسلام يعتبر الظهار أمرا مشروعا، إنما أراد بذلك الوقوف أمام تأثر المسلمين بالجاهلية من جهة، ودفعهم من جهة أخرى إلى أخذ شرائعهم وثقافتهم من مصدرها الصحيح والأصيل، ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، وما دون ذلك فهو صنيع الجاهلية الضالة الكافرة، والذي ينبغي الاستغفار منه، لأن الإيمان والعمل به يستوجب غضب الله وعذابه، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
بينات من الآيات
[١] نزلت الآيات في امرأة من الأنصار اسمها خولة بنت خويلد، عن ابن عباس، وقيل: خولة بنت ثعلبة، عن قتادة والمقاتلين. وزوجها أوس بن الصامت وذلك أنها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة في صلاتها فلما انصرفت أرادها فأبت عليه فغضب عليها، وكان امْرَأً فيه سرعةٌ وَلَمَمٌ، فقال لها: [أنت علي كظهر أمي]، ثم ندم على ما قال وكان الظهار من طلاق أهل الجاهلية فقال لها: [ما أظنك إلا وقد حرمت عليًّ، فقالت: لا تقل ذلك وأت رسول الله صلى الله عليه واله
[١] لقد مر تفسير ذلك في تفسير السورة فراجع.