من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٥ - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
أدرانها، ولكي يكون النصر أكبر وأشمل وأنفع-، فلا ينبغي للمؤمن المجاهد أن يقنط وييأس لأن اليأس من العوامل الرئيسية والخطيرة التي تجمد الطاقات، وتكبل الإنسان عن السعي، لأنه معه لا يرى فائدة من التحرك، فلماذا يسعى نحو السراب؟!، والحركة الناجحة هي التي تجنب أفرادها السقوط في شراكه، وتبادر إلى علاج حالاته وظواهره كلما بدت، بإعطاء المزيد من الأمل في الله، والثقة به، والتوكل عليه.
ولهذه الآية الكريمة تأويل يتصل بحياة الأرض المعنوية التي تعني إشاعة العدل والسلام في ربوع البلاد! ومعلوم أن الله لا يحييها- حسب هذا المعنى- كما يحييها بالمعنى الأول بالمطر، بل بأيدي الصالحين من عباده، ولكن السؤال بماذا يحيي الله الأرض؟، إنه لن يبعث ملائكته الشداد الغلاظ ليقوضوا الأنظمة الفاسدة، أو يطهروا الأرض من دنسها ورجسها، إنما سيحييها وفق سننه التي فطر الوجود عليها، سيحييها بأهلها من المؤمنين المجاهدين، والقيادات الصالحة، الذين يتصدون للجهاد في سبيل إقامة حكومة الحق والعدل على ربوع المعمورة، قال الإمام الباقر عليه السلام فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
يُحْيِيهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالقَائِمِ بَعْدَ مَوْتِهَا يَعْنِي بِمَوْتِهَا كُفْرَ أَهْلِهَا وَالكَافِرُ مَيِّتٌ»
[١]. وقال الإمام الحسين عليه السلام: [
مِنَّا اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيّاً أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَآخِرُهُمُ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِي وَ هُوَ القَائِمُ بِالحَقِّ يُحْيِي اللهُ تَعَالَى بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ يُظْهِرُ بِهِ دِيْنَ الحَقِ
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ] [٢].
وهذا الوعد الإلهي لا يعني أن نحيل المسافة بيننا وبينه ساحة للتقاعس والأمنيات الزائفة، فإقامة العدل ليست من مسؤوليات القائم عليه السلام وحده، إنما هي تكليف كل مسلم بنص القرآن فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ [التوبة: ١٢] ونصوص أخرى كثيرة، وإذا كان هذا التأكيد على الإمام قد كثر وتواتر في تأويل هذه الآية، فهو من باب التأكيد على الإحياء الأعظم، وإلا فإصلاح الإنسان لنفسه ومجتمعه إحياء أيضا كائنا من كان، بل إن تحقق الوعد الإلهي بظهور القائد الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا بعدما ملئت ظلما وجورا بإجماع المسلمين وكل المذاهب والأديان مرهون بنا بقدر ما، لأن ربنا سبحانه وتعالى يقول إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: ١١]، ولأنه جاء في بعض النصوص أنه عليه السلام لا يظهر إلا بعد اكتمال أصحابه الذين هم بعدد أصحاب النبي يوم بدر (٣١٣) فردا والله العالم.
[١] بحارالأنوار: ج ٥١، ص ٥٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ٣٦، ص ٣٨٥.