من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧٤
الدنيا وتقديمها على الصلاة، مما يشير إلى وجود ضعف في الإيمان لدى المجتمع، وانخفاض في مستوى التفاعل مع شعائر الدين وبرامجه.
وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً خوف أن يفوتهم ذلك أو يسبقهم الآخرون إليه، وهذه الظاهرة تنطوي على هزيمة أمام جموح النفس وميلها العظيم للدنيا، مما يكشف عن ضعف الإيمان الذي يريده الإسلام مقدما وما يتصل به على كل شيء في حياة أبنائه. وقد استفاد الفقهاء والمفسرون حكماً باستحباب الوقوف أثناء خطبتي الجمعة من هذه الآية إذ وصفت الرسول قائما بعد الانفضاض. وعن أبي بصير: [أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجُمُعَةِ كَيْفَ يَخْطُبُ الإِمَامُ؟ قَالَ عليه السلام
يَخْطُبُ قَائِماً إِنَّ الله يَقُولُ
وَتَرَكُوكَ قَائِماً] [١].
ويعالج القرآن هذه الظاهرة السلبية التي تنم عن ترجيح التجارة واللهو على حضور الصلاة ببيان أن ما عند الله الذي يتأتى بالتزام مناهجه خير من ذلك كله. والآية نفسها فضح للاعتقاد بالتناقض بين الالتزام بالدين وبين الدنيا، والذي يقع فيه البعض عمليًّا فلا يرون إمكانية الجمع بين الاثنين فيرجحون الدنيا باعتبارها الأجر المقبوض على الآخرة المؤجلة. والحقيقة أن خير الالتزام بمناهج الله في الحياة ليس مقتصرا على الآخرة فقط، بل يشمل الدنيا أيضاً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فالذي يريد كل الخير معنويًّا وماديًّا، وفي الدنيا والآخرة مَا عِنْدَ اللَّهِ فإن سبيله اتباع نهجه القويم، وأي خير في تجارة لا تقوم على هدى الوحي وتقوى الله؟ إنها تزرع الطبقية المقيتة، والفقر، وتسبب الانحطاط في الاقتصاد.
وفي ترتيب كلمات الآية الكريمة ملاحظة جديرة بالالتفات، ففي البداية عندما أراد الله بيان ظاهرة الانفضاض عن الصلاة قدم التجارة- وهي الأهم- على اللهو، وذلك ليبين مدى ترجيح البعض لأمور الدنيا على شؤون الدين، فهم ليس تستخفهم التجارة وحسب بل يتأثرون بما هو أبسط وأقل شأنا منها وهو اللهو. وحيث أراد التأكيد على أن ما عنده أفضل مما ينفض له الناس قدم الأدنى على الأهم تدرجا، فما عند الله ليس خيرا من اللهو بل حتى مما هو فوقه كالتجارة.
بلى؛ إن البعض ومنهم التجار لا يلتزمون بالشعائر الدينية خشية الخسارة أو أن تفوتهم أرزاقهم، ولكن الله يؤكد لهم العكس وهو أن الصلاة وبالذات صلاة الجمعة تجلب الرزق، باعتبارها صلة الإنسان بضامن الرزق ومعطيها، بل بخير الرازقين.
[١] وسائل الشيعة: ج ٧، ص ٣٣٤، تفسير القمي: ج ٢ ص ٣٦٧.آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، من هدى القرآن - بيروت، چاپ: دوم، ١٤٢٩.