من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٠ - يسلط رسله على من يشاء
أهمها أنه الجزاء الأنسب لأعداء الله.
وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ولعلنا نفهم من هذا المقطع أن استئصال النخل كان يدخل في سياق تضييق الحصار، وإدخال الرعب إلى قلوبهم، واستئصال وجودهم من المدينة ومن حولها؛ جزاء فسقهم ومشاقتهم، فمع أن الإسلام دين الصلاح والإصلاح، وينهى عن الفساد في الأرض، ويعتبره من صفات الرجل الطاغية الذي لا يحبه الله، قال تعالى وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥] وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤] وقال فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الأعراف: ٧٤] ولكن الإسلام يبيح إهلاك الزرع وحتى النسل إذا توقف نصر الحق وإجراء العدالة على ذلك، لأنه حينئذ سوف يصبح جزءا من خطة الإصلاح، وإنما يحرم إذا كان فسادا، وحينما يدرك المسلمون هذه الخلفيات والقيم الهامة فلن تؤثر فيهم الشبهات والشائعات، وسوف يسلمون لقيادتهم ودينهم عن قناعة راسخة.
أما الشبهة الثانية: فقد انطلقت من أفواه المنافقين، عندما تصرف الرسول في فيء بني النضير وصرفه للمهاجرين دون الأنصار، إلا اثنين منهم هما: سهل بن حنيف وأبو دجانة، فاتَّهم المنافقون الرسول بالانحياز إلى قومه من المهاجرين، وحاولوا بذلك إيجاد الفرقة بين الفريقين، وفصل الأنصار عن النبي صلى الله عليه واله وبالتالي إضعاف قيادته وحركته، والذي يظهر أن أكثرهم كانوا من أهل المدينة الذين لم يُعطَوا حصة من الفيء، فاندفعوا بهذا العامل وبعامل النفاق المتأصل فيهم للوصول إلى أهدافهم المشؤومة هذه المرة على مطية حادث القسمة، وليس ذلك جديدا في سلوكهم؛ فهم يتربصون الدوائر بالإسلام وبالقيادة الرسالية، وينتظرون حدوث أدنى شبهة، أو ما يمكن تحويره إلى شبهة للنيل من مكانتها.
ولقد جاء القرآن ببيان الحكم الفصل في هذه القضية، وليضع تشريعا في المغانم التي ينالها المسلمون من الأعداء بأنها على نوعين
الأول: ما يتسلطون عليه بالقتال، فيكون للرسول وللإمام من بعده الخمس من صفو المال قبل القسمة، وما بقي يُقَسَّم على مقاتلي المسلمين، ويسمى الغنيمة.
الثاني: ما يتسلطون عليه من دون قتال وهو للرسول وللإمام من بعده خاصة يتصرف فيه كيف يشاء، ويسمى الأنفال. قال الإمام الصادق عليه السلام
«الأَنْفَالُ مَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولَا رِكَابٍ أَوْ قَوْمٌ صَالَحُوا أَوْ قَوْمٌ أَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ، وكُلُّ أَرْضٍ خَرِبَةٍ وبُطُونُ الأَوْدِيَةِ فَهُوَ لِرَسُولِ