من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٤ - أم للإنسان ما تمنى
على أن الله أمر بعبادتها أو التوسل بها إليه.
ومجرد عدم وجود دليل (وسلطان مبين) من عند الله يسمح للإنسان بالتسليم لقوة سياسية (صنم حجري أم بشري) يكفي دليلا على حرمة هذا الأمر. أوليس الله قد خلقنا، ونحن عبيده. أفينبغي للعبد أن يطيع غير مولاه؟!.
وإنما قال تعالى أَنْتُمْ وأضاف إليها وَآبَاؤُكُمْ لكي يؤكد مسؤوليتهم هم عن انحرافهم، وأنه لا يجوز إلقاء مسؤولية الانحراف على آبائهم وحدهم، ونستوحي من هذه الآية أن منهج المشركين الخاطئ خليط من أمور ثلاثة
الأول: وراثة الضلالة من الآباء، في حين أن الشرعية الحقيقية يأخذها الإنسان من ربه لا من آبائه.
الثاني: الظنون، وهي الإفرازات السلبية للذهن البشري حينما تعمل فيه المؤثرات الخاطئة.
الثالث: أهواء النفس، ودورها
ألف: التمهيد للظنون.
باء: ترسيخها كما ترسيخ ذلك التقديس الخاطئ للآباء، لأنها تلتقي معه.
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى وبالتدبر في هذه الآية وما سبقها يتضح لنا أن حركة الإنسان نحو الزيغ تبدأ من أهواء النفس، التي تتحول إلى تمنٍّ، والتمني إلى ظن (خيال)، ثم تتحول التمنيات إلى عقيدة وفكرة، ثم يؤطر البشر ذلك برموز وأسماء يزعمها، فالأصنام إذن ليست رموزا للملائكة ولا للقوى الطبيعية، إنما هي تجليات للأهواء النفسية والمصالح المادية، فحينما يحب الإنسان الثروة يحب الثري، ويتخيل لهذا الحب رمزا ومذهبا، ثم حينما يعبده فهو لا يعبد الصنم ولا الثري أو الثروة، إنما يعبد أهواءه وشهواته، وهكذا الذي يعشق الجمال أو الجنس، ولو قمنا بدراسة تحليلية عن الأوثان والأصنام التي عبدها الجاهلون في شبه الجزيرة العربية، أو تلك التي علقوها في الكعبة، أو الأخرى التي تقدس وتعبد هنا وهناك، لخلصنا إلى نتيجة واحدة وهي أنها ترمز إلى قوى اجتماعية واقتصادية وسياسية أو ثقافات وتقاليد وأساطير عند أصحابها، وأن عبادتها ليست إلا عبادة للأوهام والأهواء المتجذرة في نفوسهم.
وهذا الضلال ليس نتيجة انعدام الهدى أو غموضه، فقد جاءهم الهدى من ربهم، وعلى