من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٥ - أم للإنسان ما تمنى
لسان أفضل خلقه وأبلغهم وهم الأنبياء، ولكنهم تركوا العقل إلى الجهل، والعلم إلى الظن، والهدى إلى الهوى.
[٢٤] ولو تساءلنا عن سبب هذا الاختيار الضال لوجدناه محاولتهم التهرب من ثقل المسؤولية بالأعذار المختلفة التي جاءت السورة لعلاجها، ويبدو أن السياق يمهد لذلك ويقربنا شيئا فشيئا منه، فمن أهداف الرسالات الإلهية جميعا ترسيخ المسؤولية، وتعرية الإنسان من حجب التبرير والأهواء التي يحاول أن يتخلص من المسؤولية باسمها.
أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى التمني هو خداع الإنسان لنفسه بشيء جميل من خلال الظنون والأوهام التي يصنعها بتخيلاته، فالجائع يتمنى الشبع فيتخيل القرص، والعطشان يتمنى الارتواء فيتوهم الأنهار الرقراقة، والشبق يتخيل نفسه يلصق بمعشوقته، وهذه حالة طبيعية في الإنسان، تعطيه التوازن في الحياة، وكلما كانت الحقائق والتطلعات التي يصبو إليها كبيرة وهامة كانت تمنياته تأخذ أشكالا وأبعادا جديدة، إلا أن المبالغة في التمني تضر به لأنه يخرجه من التعايش الواقعي مع الحياة إلى الأوهام والأساطير، ومن السعي الجاد نحو الهدف إلى مجرد الظن والهوى. أترى لو جلس أحد في بيته وتمنى وصول الرزق إليه هل يتحقق ذلك له؟ وهكذا لو مشى في الدنيا خبط عشواء، فإن مجرد تمنياته- المنطلقة من أهوائه والظنون والمبنية على اعتقاده بالأصنام- لن تدفع عنه المشاكل والويلات، ولن تنقذه من العذاب، بلى؛ للإنسان سعيه وعمله خيرا أو شرا، وهذا ما سنجد الآيات تنتهي إليه بوصفه محصلةً نهائية لعلاج فكرة التمني، قال الإمام الصادق عليه السلام
«تَجَنَّبُوا المُنَى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ بَهْجَةَ مَا خُوِّلْتُمْ وتَسْتَصْغِرُونَ بِهَا مَوَاهِبَ الله تَعَالَى عِنْدَكُمْ وتُعْقِبُكُمُ الحَسَرَاتُ فِيمَا وَهَّمْتُمْ بِهِ أَنْفُسَكُمْ» [١].
[٢٥- ٢٦] وبطلان فكرة التمني ليس مختصا بالآخرة وحسب، بل يشمل الدنيا أيضا، ذلك أن الله الذي خلقهما رسم خريطتهما، وأركز فيهما سبلا وسننا واقعية تجريان على أساسهما، وليس على أساس الأحلام والتمنيات، يقول تعالى لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء: ١٢٣].
فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى الله هو الحق، وهو الآمر به، وسلطانه الدائم، وتدبيره المهيمن، وقضاؤه النافذ، كل أولئك ضمانة لتنفيذ الحق رغم تمنيات البشر المعاكسة له، وليس في ظل حكومة الله مجال لظنون الإنسان وتمنياته، ومن يزعم أنه يتخلص من سنن الله وحاكميته بالاعتماد على أمانيه فهو يخطئ، لأنه ينازع الله في سلطانه سبحانه، ولكي يعمل أمنياته لا بد أن
[١] الكافي: ج ٥، ص ٨٥.