من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٤ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى الآلاء هي الآيات. يدل على ذلك قوله في سورة الرحمن فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣]. والتماري هو الشك المتوالي أو ترامي الشك من البعض إلى الآخر، ذلك لأن الشاك في مثل هذه القضايا المصيرية والعامة لا يدع شكه في قلبه بل يلقيه على من هو مثله ويتلقى منه الشك أيضا، وينبغي مواجهة كل ذلك بتلك الآيات المتوالية.
[٥٦] إن من أعمق مشاكل الإنسان أنه يستبعد عن نفسه العذاب الإلهي وهو يمارس الضلال، إما لشكه في قدرة الله كاليهود الذين قالوا يد الله مغلولة، أو لرجائه غير المنطقي في رحمته، والقرآن يذكر عواقب الأمم الذين ضلوا وكذبوا بالحق ويضعها بين أيدينا نذرا لعلها تردعنا عن الباطل.
هَذَا نَذِيرٌ مِنْ النُّذُرِ الأُولَى وقيل: إن المعني بالنذير هنا هو الرسول الأعظم صلى الله عليه واله الذي يمثل امتدادا للأنبياء، فكما أن هودا وصالحا ونوحا ولوطا عليهم السلام أنذروا أقوامهم، فإن محمدا صلى الله عليه واله هو الآخر نذير مثلهم، قال الصادق عليه السلام وقد سئل عن معنى الآية
«يَعْنِي بِهِ مُحَمَّداً صلى الله عليه واله حَيْثُ دَعَاهُمْ إِلَى الإِقْرَارِ بِالله فِي الذَّرِّ الأَوَّلِ» [١].
ولقد أهلك الله الأقوام السابقة لأنهم كذبوا أنبياءهم والحق الذي جاؤوا به، وكفى بذلك نذيرا لنا مادامت سنن الله في الأولين هي سننه فينا وفي اللاحقين إلى يوم القيامة.
[٥٧- ٥٨] وتبقى القيامة أبلغ النذر وآخرها وأعظمها، والقرآن يؤكد حدوث القيامة في المستقبل القريب جدا فحتى إذا بقيت من القيامة الكبرى ٥٠٠ مليون عام فإنه يمثل واحدا من ثلاثين أو حوالي ٣% من دورة واحدة لهذا الكون التي تبلغ حسب بعض التقديرات العلمية ١٥ ألف مليون عام، كيف ولعله لم يبق حتى قيام الساعة ذلك اليوم الرهيب الذي أشفقت منه السماوات والأرض إلا بضعة ألوف من ا لسنين وربما أقل ومن يدري؟ أوليس علمها عند ربي لا يُجلِّيها لوقتها إلا هو؟.
فيقول أَزِفَتْ الآزِفَةُ أي اقتربت، والتأكيد على اقتراب هذه الحقيقة الكبرى يجعلنا نعيش الساعة بوعينا فنستعد كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام
«فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله وبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ... واسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا وعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ولَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى، ومَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وبَيْنَ الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلَّا المَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ»
[٢] وإذا مات ابن آدم قامت قيامته، ولا يستطيع أحد
[١] بحار الأنوار: ج ٥، ص ٢٥٠.
[٢] نهج البلاغة: خطبة: ٦٤.