من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٣ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
يملكون النعم، وإنما هي أمانات الله استخلفهم فيها، فلماذا يخرجون عن أمره بإنفاقها؟! يقول سبحانه
- وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧].
- وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: ٧٧].
وكما أن الإحسان يجلب الإحسان والزيادة في النعم، فإن الإساءة والفساد في الأرض يسلبان النعمة، بل ويجعلناها نقمة، قال ربنا سبحانه إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا؟ [الإسراء: ٧].
[٦٢] ثم يمضي السياق يحدثنا عن جنتين أخريين، تختلفان في نعيمهما عن الأوليين وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ يبدو من المقارنة بين الجنان الأربع وسائر النصوص أن درجات الجنة عديدة والناس فيها متفاضلون، فبالرغم من أن أهل الجنة جميعهم منعمون وراضون بما قسم الله لهم من الفضل، ولكنهم كما تفاوتوا في الإيمان والعمل في الدنيا فإنهم يتفاوتون ويتفاضلون في درجات الجنة، قال تعالى هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٦٣]، وحتى الأنبياء يتفاضلون فيما بينهم، قال الله تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣]، وهذا التفاضل الذي يقره الله ليس اعتباطيًّا، إنما يعتمد الحكمة والعلم قال تعالى نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ٨٣].
وقال النبي صلى الله عليه واله
«جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ أَبْنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ أَبْنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»
[١]، وقال الإمام الصادق عليه السلام يخاطب أحدا
«لَا تَقُولَنَّ إِنَّ الجَنَّةَ وَاحِدَةٌ إِنَّ الله يَقُولُ
وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ
وَلَا تَقُولَنَّ دَرَجَةً وَاحِدَةً إِنَّ الله يَقُولُ: [دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ] [٢] إِنَّمَا تَفَاضَلَ القَوْمُ بِالأَعْمَال» [٣].
ولكن اختلاف الدرجات والتفاضل لا يُخلِّف أثرا من حسد أو بغضاء بين المؤمنين هناك بعكس حال أهل الدنيا حيث يتعالى الغني على الفقير، أو العالم على الجاهل، أو الحاكم على المحكوم، قال ربنا وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧]، فهم راضون قانعون بما قسم الله لهم، إذن يعلمون بحكمته وأنهم الذين وضعوا أنفسهم
[١] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١٠٥.
[٢] قوله عليه السلام: [
دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ»
اقتباس من القرآن وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ وليس بنص.
[٣] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١٠٥.