من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٥ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧]، إذن لِنَدَعْ التكذيب بآلاء الله.
[٥٠- ٥١] وتطمع نفوسنا المجبولة على حب الاستطلاع في معرفة المزيد عن الجنتين، فيقول ربنا فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ العين في الدنيا تتصل بمخازن الماء في الأرض وكلما استُنزفت ملأتها المخازن، ولكن الله لا يقول عَيْنَانِ وحسب، بل يضيف تَجْرِيَانِ وتوحي هذه الجملة بأن الماء هناك في حركة دائمة مما يزيد المنظر روعة وجمالا.
ولا يذكر القرآن ما في العينين: هل هو الماء، أم اللبن، أم الخمر، أم العسل، أم هو شيء آخر؟ والإبهام يزيد النفس شوقا، والله يبهم قاصدا وهو القائل فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧].
فيا حسرة على العباد يتحبب لهم ربهم فيتبغضون إليه، ويتقرب منهم فيبتعدون عنه، ويفتح لهم أبواب رحمته ثم يدعوهم إليها فيعرضون، ويكذبون، وهو لا يزال يتلطف بهم، لا يسخط من تكذيبهم، ولا يعرض عنهم بانحرافهم عن آلائه بل يكرر عتابه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وله العتبى حتى يرضى، إنه لا يحتاج إلى تصديقنا به، وشكرنا لآلائه فذلك لا يزيده شيئا، كما لا ينقص كفرنا وتكذيبنا من مقامه تعالى شيئا، إنما نحن المحتاجون إليه.
[٥٢- ٥٣] وجانب آخر من نعيم الجنتين الأكل، والقرآن لا يحدثنا عن أوليات النعمة (الأشياء الضرورية) إنما يحدثنا عن تمامها (الكماليات) وهي الفواكه، مؤكدا أنها هي الأخرى موجودة وفي غاية الكمال، كثرة وتنوعا.
فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ فليس ثمة فاكهة إلا وهي موجودة، والفاكهة بالإضافة إلى فائدتها المادية للجسم، فهي لها نكهة ولذة خاصة يجدها الإنسان في منظرها على المائدة أو في الشجرة، حيث الأشكال والألوان البديعة، وفي روائحها الطيبة ومذاقها اللذيذ، ولعل اسمها مشتق من الفاكهة والتفكه وهو حديث ذوي الأنس والسرور.
و السؤال: ما معنى زَوْجَانِ؟.
قيل: من كل نوع صنفان، أحدهما يشبه الذي في الدنيا، والآخر يختلف عنه في حجمه ومذاقه وألوانه، مما يختص بالآخرة وهو الأفضل، قال تعالى وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً [البقرة: ٢٥]، وقد يكون المعنى من الزوجين: أي أن