من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٠ - فهل من مدكر
مقاييس باطلة لا تصلح لتشخيص القيادة الحقيقية في المجتمع، إنما الكفاءة الإدارية والعملية والسياسية، ومدى الالتزام بالحق (التقوى)، والتصدي الفعلي للقيادة، ثم إذن الله وإعطاؤه الشرعية هي المقاييس الصادقة للرئاسة.
[٢٥] بلى، إنهم اعتبروا الوجاهة الاجتماعية، وكثرة المال والأتباع، هي المقاييس، ولو تجرد صاحبها عن الكفاءة والتقوى، وهذه متوفرة لديهم، وهذا منطق المترفين والمستكبرين على مر التاريخ ومع كل الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وَقَالُوا- لرسولنا الأعظم- لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
وهكذا قال مترفو بني إسرائيل من قبل، قال الله عز وجل أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٤٦- ٢٤٧].
وهذه بالضبط كانت مقاييس قوم صالح، لذلك استنكروا أن يصطفيه الله من بينهم وهو لا يضاهيهم مالا ولا أتباعا، بل اتهموه بأرذل أنواع الكذب.
أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ قال البعض: الأشر الذي يتجاوز الحد في الكذب، ويبدو أنه الطمع في الرئاسة بلا استحقاق لها، ولعل معنى كلام سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام
«وَأَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِما»
[١] إنني حيث نهضت وطالبت بالإمامة فهي من حقي، ولست أدَّعي ما هو للغير، وظاهر كلمة مِنْ بَيْنِنَا في هذه الآية يؤيد هذه الفكرة، لأن المعنى بها يكون: أنه طَلَبٌ يَصْلُحُ وَيَحُقُّ لنا دونه، وربما دلت هذه التهمة الباطلة على أن خشية أولئك الكافرين من تحويل الرئاسة عنهم كانت وراء تكذيبهم برسالة صالح، حيث إنهم اتهموه بأنه طالب رئاسة بالباطل قياسا على أنفسهم حيث تسلطوا على الناس بغير حق.
[٢٦] وأمام هذا المنطق المتوغل في الكبر على الحق، والاستهزاء بولي الله ورسوله
[١] بحار الأنوار: ج ٤٤، ص ٣٢٩.