من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧١ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
الدنيا حتى يغتر به الإنسان، فيعتبره خيرا كلما زاده الله منه، ويتخذه وسيلة للتمادي في الكفر، والتكذيب بالرحمن- عز وجل- إنه سوف يحرم نفسه من رحمته العظمى في الآخرة من العيون، والأنهار، والفواكه، وفرش الإستبرق، والحور العين، فلماذا يُحيل رحمة ربه له في الدنيا خسارة لذلك النعيم، وغضبا عليه بسبب التكذيب؟!.
ولأننا لا نستوعب حقيقة نعيم الآخرة، فإنه تعالى يشير إليه إشارة تقريبية، من خلال التشبيه، ففي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولعلنا نهتدي إلى هذا المعنى من الآية الكريمة فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، إذ ينفي ظاهرها إمكانية العلم أصلا.
ولكي نقترب من هذه الفكرة دعنا نتصور قاصرات الطرف: هل هن يشبهن نساء الدنيا؟ وما مدى جمالهن؟.
قد نجيب تلك الأسئلة، ولكن بأي دليل، وعلى أي مقياس؟! لعل عقولنا بل خيالاتنا تتمكن من استيعاب أقصى حد للجمال، بأجمل امرأة في العالم، ولكن هل يمكنها أن تتصور جمالا يفوق ذلك مليون مرة؟! كلا .. لذلك يقول ربنا وهو يحدثنا عن قاصرات الطرف مشبها كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ قيل يشبهن الياقوت صفاءً، فبشرتهن لا يشوبها عيب، وتشبه المرجان حمرة، أو هي ناصعة البياض مشربة بحمرة الياقوت، وربما نستوحي من الآية معنى آخر فكما أن الياقوت ليس كأي حجر يحصل عليه الإنسان بسهولة، بل لا بد له من البحث عنه والاجتهاد، وكما أن اليد لا تصل إلى المرجان إلا بالغوص إلى أعماق البحار وتحمل المشقة، فإن للجنة ثمنا لا يحصل عليها صاحبها إلا به، قال تعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة: ٢١٤].
ولعل شكر نعم الله المادية والمعنوية من أهم مفاتيح الجنة، فإن شكر الآلاء بارك له وزاده؛ ليس في الدنيا وحسب، بل في الآخرة أيضا، لأنها امتداد للأولى، ومصيره فيها يحدده موقفه من نعم الله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وللعبد أن يعرف حجم تكذيبه بآلاء ربه، من خلال العذاب الذي سوف يلقاه في الآخرة، ومن الحسرة والندامة التي تحل به جزاء خسارته الأبدية الكبرى لنعيم الجنة وثوابها.
[٦٠] كل أبعاد الخليقة نعمة وهي- بالتالي- من آلاء ربنا الرحمن، وأصحاب الجنة هم الذين تحسسوا شهود ربهم عبر آلائه، وعرفوه فآمنوا برسالاته، واتبعوا رسله، واتقوه حق