من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧١ - يسلط رسله على من يشاء
الله صلى الله عليه واله وهُوَ لِلْإِمَامِ مِنْ بَعْدِهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» [١].
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: [قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله عليه السلام السَّرِيَّةُ يَبْعَثُهَا الإِمَامُ فَيُصِيبُونَ غَنَائِمَ كَيْفَ تُقْسَمُ؟ قَالَ
إِنْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا مَعَ أَمِيرٍ أَمَّرَهُ الإِمَامُ عَلَيْهِمْ أُخْرِجَ مِنْهَا الخُمُسُ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ وقُسِمَ بَيْنَهُمْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ، وإِنْ لَمْ يَكُونُوا قَاتَلُوا عَلَيْهَا المُشْرِكِينَ كَانَ كُلُّ مَا غَنِمُوا لِلْإِمَامِ يَجْعَلُهُ حَيْثُ أَحَبَّ» [٢].
والذين ظفر به المسلمون من بني النضير كان مما سلط الله عليه الرسول بقدرته، ولم يقاتل المسلمون عليه، فهو للنبي خاصة من عند الله، وليس لأحد أن يطالب فيه بشيء، أو يعترض على قسمته، فله مطلق التصرف فيه من قبل الباري عز وجل.
وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ أفاء: أرجع ورد، وقالوا: إنما سمي فيئا لأن الله قد جعل الخيرات للرسول، وإنما تصرَّف فيها الآخرون لمصلحة فإذا حازها الرسول فقد عادت إليه، والله العالم.
فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ استعدادا وسيرا لقتالهم وحربهم، والإيجاف السير السريع والعَدْو، والمعنى: إنكم ما كررتم ولا فررتم في ساحة قتال مع العدو بأفراس ولا بإبل، تقاتلون عليها وتحملون مؤنكم وأنفسكم عنوة للحرب، حتى يكون لكم نصيب من الفيء جزاء قتالكم، إنما تحقق النصر بإرادة إلهية مباشرة، عملت في الغيب، ودفعت اليهود إلى الاستسلام، ولا يملك أحد يومئذ إنكار هذه الحقيقة الواقعية حتى يجادل، ولو كان المؤمنون قاتلوا لما حكم اليهود بالجلاء، إنما كانوا يسبون ويستعبدون جميعا. وهذا علاج موضوعي معقول للقضية.
وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ينصره عليهم ويصرِّفه فيهم وفيما يملكون مطلق التصرف (تكوينيًّا وتشريعيًّا) وهذه الصلاحية تنتقل إلى الإمام الصالح من بعده، وهي حق وصلاحية له في الحكم بفرض الله عز وجل. وتسليط الله لرسله وللمؤمنين على أعدائهم يُجلي إرادته المطلقة للناس، ولو كان النصر والتمكين وليد القتال بالسيف، ولكنها تكون أظهر وأجلى حينما ينتصرون ولم يوجفوا خيلا ولا ركابا، ولم يتحملوا تبعات قتال.
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والمؤمنون مطالبون بالتفكر في هذا الجانب من تاريخهم والاعتبار به، فإن ذلك يعمِّق فيهم المعرفة بربهم، ويؤكد لهم سلامة خطهم، ويعطيهم الثقة
[١] الكافي: ج ١، ص ٥٣٩.
[٢] الكافي: ج ٥، ص ٤٣.