من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٧ - لا تتولوا قوما غضب الله عليهم
للمؤمنين عامة، وهو يحلل المرأة المؤمنة من زوجها الكافر فقط، وليس يجعلها حلًا للمؤمنين إلا إذا أعطوا لها المهر وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ وكما تحرم المؤمنة على الكافر كذلك تحرم الكافرة على المؤمن، سواء بالأصالة أو بالردة لما في ذلك من آثار سلبية على حياة المؤمن وتربية الأولاد ... الخ.
وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ والفقهاء استفادوا من هذه الآية حكما قاطعا بحرمة الزواج من الكافرة، أو الاستمرار في الزواج عند إسلام الزوج دون زوجته. وقد طلق المسلمون زوجاتهم المشركات بعد نزول الآية، وهكذا تنفصم العصمة التي كانت بينهما، لأن عصمة الإسلام من عصمة النكاح.
والسؤال: هل الآية تشمل أهل الكتاب فتكون ناسخة للآية التي نزلت في سورة المائدة، وهي قوله سبحانه الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥]؟.
قال بعضهم: بلى، واستدلوا ببعض الأحاديث المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، وأبرزها الحديث الموثق التالي المأثور عن ابن الجهم قال: [قَالَ لِي أَبُو الحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام
يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَتَزَوَّجُ نَصْرَانِيَّةً عَلَى مُسْلِمَةٍ؟
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ ومَا قَوْلِي بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ عليه السلام
لَتَقُولَنَّ فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْلَمُ بِهِ قَوْلِي،
قُلْتُ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى مُسْلِمَةٍ ولَا غَيْرِ مُسْلِمَةٍ، قَالَ عليه السلام
ولِمَ؟،
قُلْتُ: لِقَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. قَالَ عليه السلام
فَمَا تَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ؟
. قُلْتُ: فَقَوْلُهُ وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ سَكَتَ] [١].
وهناك روايات أخرى مشابهة، وفي كثير منها الإشارة إلى أن آية الممتحنة قد نسخت آية المائدة، مما جعل العلامة الشيخ حسن النجفي- صاحب موسوعة جواهر الكلام- يجد مأخذا عليها بقوله: [إن التحقيق: الجواز مطلقا (أي جواز نكاح أهل الكتاب بصفة مطلقة) وفاقا للحسن والصدوقين على كراهية متفاوتة في الشدة والضعف. (وأضاف): كما أومأت إلى ذلك كله النصوص التي ستسمعها لقوله تعالى وَالْمُحْصَنَاتُ.. إلى آخرها التي هي من سورة المائدة المشهورة في أنها محكمة لا نسخ فيها] [٢].
وساق طائفة من النصوص التي تدل على أن هذه السورة هي آخر سورة نزلت وهي
[١] الكافي: ج ٥ ص ٣٥٧.
[٢] جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج ٣٠، ص ٣١.