من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٨ - إن هذا لهو حق اليقين
بعد أن تلا الآية
«أُعَظِّمُ إِثْمَ مَنْ يَحْلِفُ بِهَا»
[١]، وفي هاتين الآيتين دعوة إلى نبذ الظنون والأساطير في موقف الإنسان من النجوم، والتي تضر أكثر مما تنفع، إلى العلم، مما يظهر اهتمام الإسلام وموقفه من العلم، ودعوته الرائدة إليه، وأنه ليس كما يظن البعض أو يصورونه يعارض العلم والحضارة.
[٧٧- ٧٨- ٧٩] وبعد التمهيد الآنف بالقسم يصارحنا الوحي بتلك الحقيقة العظمى، والتي كانت الغرض من القسم العظيم إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، أليس يتجلى فيه ربنا بكل جماله وجلاله، وأي كرامة أسمى من كتاب تنفتح آياته عن جمال الخالق، وروعة المخلوق، وعن جلال الخالق، وعظيم خلقه؟.
قالوا: [الكرم مجمل الصفات الحميدة] [٢]. وكيف لا يكون القرآن كريما وقد رَغَّبَنَا إلى مكارم الأخلاق وحسان الآداب، إلى العدل والحرية والفضائل الإنسانية، كما نهانا عن الخبائث والرذائل والسيئات؟ وإذا عدنا إلى أنفسنا وما فطرت عليه من حب الخير والفضيلة لعرفنا أن القرآن كتاب ربنا أوليس يدعو إلى الصفات الحسنى ذاتها التي نحبها ونعتقد أن ربنا يحبها، فكيف يكفرون به وكل آية آية منه شاهد على أنه من عند الله؟.
و السؤال هنا: ما هو وجه ذكر السياق للقرآن وبهذه الصورة المؤكدة؟.
أولًا: لأن الدرس السابق ذكرنا بالآيات الهادية إلى التصديق بالخالق. فكان من البديهي أن يأتي ذكر القرآن، لأنه السبيل إلى معرفة الآيات، والبصيرة لرؤية تجليات الرب، ومن لا يهتدي بالقرآن كيف يتسنى له وعي حقائق الخليقة، وفك رموزها، ومشاهدة غيبها، والعروج منها إلى معرفة خالقها؟.
ثانياً: لأن التصديق بالخالق، والتذكر، والشكر، وبالتالي التسبيح باسم الرب العظيم الذي دعا إليه الدرس السابق، لا يتم بالوجه الأكمل إلا بالقرآن، فالقرآن معراج السابقين، ومنهج أصحاب اليمين. إنه شريعة سمحاء لمن أراد الذكر، وابتغى الشكر، وبحث عن سبيل التقوى. إنك تسأل كيف أُصدِّق بالخالق؟ وكيف أتذكر وأشكر؟ وكيف أُسَبِّح؟ كل ذلك بالقرآن يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٦] فالتسبيح الحقيقي الذي يأمر به الله بقوله فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة: ٧٤] لا يتلخص في الذكر، إنما
[١] الكافي: ج ٧ ص ٤٥٠.
[٢] راجع مفردات غريب القرآن: ص ٧٠٧.