من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٦ - وتناجوا بالبر والتقوى
الطبيعي في أجيال الأمة.
وهذه الأنواع الثلاثة من الذنوب تعد اعتداءً على حدود الله، وقد جعلها المنافقون محور نجواهم، وهي متتالية، إذ إن مجالس المتآمرين- أنى كانت، وأنى استهدفت- تنطلق من الإثم، من العصبية والعنصرية، من الكذب والافتراء، من تحقير القيم لحساب الذات، وإثارة الحساسيات، وكوامن الشر تنطلق من كل ذلك لتنتهي إلى العدوان واغتصاب حقوق الآخرين ومحاولة التسلط والتعالي عليهم، وفي ذلك خرق لسنن الله العادلة، ومخالفة للقيادة الشرعية.
إن هذه الجلسات المشؤومة هي رحم الشبكات الحزبية الضالة التي تخطط للسيطرة على الأمة، ولولا غياب الإحساس برقابة الله، وغياب التقوى من الله، وبالتالي الإنصاف والعدالة، لما ولدت هذه الجلسات التي لا يهدف المشاركون فيها إلا تحقيق شهواتهم الرخيصة.
وعملية التناجي هي تفاعل بين المنافقين حيث يدفع بعضهم بعضا، ويدعوه إلى الضلال والتجاوز على الحق، وتشكيل حركة سرية ترتكز على المبادئ الثلاثة التي تضمنتها النجوى.
وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ إذ كانوا يقولون: السام عليكم، بمعنى السأم، أي إنك يا رسول الله سوف تسأم من رسالتك، أو السام بمعنى الموت عند اليهود، ومن الطبيعي أن المُسَلِّم إن كان بعيدا ولا يظن أحد فيه سوءا لا يتضح قصده في مثل هذه العبارة القريبة من السلام في ظاهرها وحروفها، إلا أن الرسول كان متنبها للمنافقين واليهود، وكان يرد عليهم بكلمة واحدة [وعليكم] أي أرد عليكم ما رميتموني به، وقد فضحهم الوحي بعد ذلك عند كل المسلمين، ولكي يعلموا هم أنفسهم أن الله بكل شيء عليم، وأنه يعلم القضايا الظاهرة كقضية المجادلة، والأخرى الباطنة كنجواهم. وهنالك تفسير آخر للتحية، وهي أنهم يحيون الرسول ب- (أنعم صباحا، وأنعم مساءً) وهي تحية أهل الجاهلية، مع أن الله أمرهم بتحية الإسلام في محضر الرسول (السلام عليكم).
وهناك تفسير ثالث أنهم لم يكونوا يحيون الرسول بصفته قائدا للأمة، وإنما بصفة شخصية كقولهم: (السلام عليك يا أبا القاسم) وهذا التفسير أنسب لمفهوم السياق، بالرغم من أن التفسير الأول قد وردت به نصوص تاريخية، فقد روي عن عائشة أنها قالت: [جَاءَ أُنَاسٌ مِن اليْهَوُدِ إِلى النَّبِيُّ صلى الله عليه واله فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالتُ: السَّامُ عَلَيْكُمُ وَفَعَلَ اللهُ بِكُمْ، فَقَالَ صلى الله عليه واله
مَهْ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشْ،
فَقَالتُ: يَا رَسُولَ الله أَ لَسْتَ تَرَى مَا يَقُولُونَ؟ فَقَالَ صلى الله عليه واله
أَلَسْتِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَا يَقُولُونَ؟ أَقُولُ: وَعَلَيْكُمْ»[١].
[١] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ٢٩٢.